أخبار

روائح الماضي الجميل

روائح الماضي الجميل

روائح الماضي الجميل
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

حين نكتب عن الماضي، لا نكتبُ لنعلنَ عداءً مع حاضرنا، ولا لننصبَ خيامنا في دروبِ الأمسِ هرباً من واقعنا؛ فنحن ندرك أن عجلة الزمان لا تعود للوراء، وأن التطور سُنّة الحياة. لكننا، وفي غمرة هذا الصخب المتسارع، نجد أرواحنا تلتفتُ بلهفةٍ وتوقٍ نحو زمنٍ كان يتسمُ بجمالٍ فريد، عنوانه الأبرز هو البساطة المتناهية، والسكينة التي تلامس القلوب، والصدق العفوي الذي كان يغلف الأقوال والأفعال على حد سواء.
​لقد كان زمناً تملك فيه الأشياءُ أرواحاً، فلم تكن الأغنية مجرد ألحانٍ عابرة أو إيقاعاتٍ صاخبة تداعب المسامع ثم تتبخر، بل كانت حكايةً مكتملة الأركان، تُنسج خيوطها من مشاعر إنسانية عميقة، تروي لنا قصص الحب، والفراق، والوطن، بكلماتٍ تظل محفورة في وجدان الذاكرة كأنها نُحتت على صخر. كانت الأغنية آنذاك جسراً يربط بين القلوب، تهمسُ في أذن المستمع فتشعره أن القصة قصته، واللحن نبضه.
​أما الصورة، فلم تكن مجرد بكسلاتٍ رقمية تتراكم في ذاكرة الهواتف، بل كانت لوحةً ناطقة تحكي تفاصيل اللحظة بكل أبعادها. كانت الصورةُ “تتكلم” لأن خلفها انتظاراً، وشوقاً لرؤية النتيجة، وقيمةً تجعلنا نحافظ عليها في ألبوماتٍ نفتحها بين الحين والآخر لنسترجع عطراً فُقد أو وجهاً غاب. كانت تجسيداً لذكرى لا تقبل التكرار، وصمتاً أبلغ من ألف قصيدة.
​وفي ذلك الزمن، كانت “اللمة” أو الاجتماع العائلي والرفاقي بمثابة النعمة العظمى والملاذ الآمن. لم تكن الأجساد حاضرة والعقول غائبة خلف شاشات زجاجية، بل كانت العيون تلتقي، والأيدي تتصافح بحرارة، والضحكات تخرج من أعماق الصدور لتملأ البيوت دفئاً وبركة. كان الجلوسُ حول مائدة واحدة أو تحت ضوء قمرٍ خافت يغنينا عن كل مباهج التكنولوجيا؛ لأن الأنس كان بالبشر، والسكينة كانت في القرب.
​وعلى قمة ذلك الجمال، كانت الكلمة مقدسة. لم تكن الحروفُ تُلقى جزافاً، بل كان النطق بالوعد ميثاقاً غليظاً لا يحتاج لورقٍ أو إشهاد. كانت الكلمةُ هي “العهد” الذي يُقطع، والوفاء الذي يُنتظر. إذا قال المرءُ كلمةً، صانها بروحه، فكان الصدقُ هو العملة السائدة، والوضوح هو النهج الذي تسير عليه القلوب قبل العقول.
​إننا نشتاق لذلك الزمن، ليس اعتزالاً للحياة، بل بحثاً عن تلك القيم النبيلة التي جعلت من الحياة، برغم قسوتها أحياناً، مكاناً أجمل، وأهدأ، وأكثر إنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى