الطمأنينة في محبة الله سبحانه وتعالي
بقلم : محمـــد الدكـــروري
الحمد لله حمدا كثيرا كما أمر والصلاة والسلام على محمد سيد البشر، الشفيع المشفع فى المحشر، صلى الله وسلم وبارك عليه ما اتصلت عين بنظر او سمعت اذن بخبر، فقد قال تعالى ولم يزل قائلا عليما وآمرا حكيما تشريفا لقدر المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيما، ” وإنك لعلي خلق عظيم”أما بعد إنه ينبغي عليك أخي الكريم البراعة في الحديث، فإن الناس لا يريدون منك أن تتحدث عن تجاربك وخبراتك، فلهم خبرات أيضا، وخير محدّث هو من يستمع بشغف إلى الآخرين، واسأل مقابلك سؤالا ودعه يتحدث في تخصصه، بذلك يشعر بالإمتنان لك وتظفر بصداقته سريعا، فإذا أتحت له فرصة التحدث عن تجاربه وظللت مصغيا له باهتمام، فإن الإستماع المشغف هو أعلى ضروب الثناء الذي يمكن أن تضفيه على محدثك فالناس يحبون من يفتح لهم المجال لتحقيق ذواتهم.
وكما عليك أن تقدّر غيرك فتفوز بتقديره لك، فإن التقدير من الغير غذاء للنفس كما هو الطعام للجسد، بل إن النفس أرهف حساسية وأحلّ شأنا، قد يصوم المرء وينقطع عن الطعام والشراب، أما عن حاجته إلى تقدير الغير له فلن يستطيع، إذن لماذا لا ندع الآخرين يختزنون في ذاكرتهم أنغاما حلوة وكلمات محببة عن تقديرنا لهم وشعورنا بأهميتهم ؟ كما عليك أن تتكلم فيما تظن أنه يسر محدثك، فإذا أردت إدخال السرور إلى قلوب الناس حدثهم فيما تظنهم يودون الإستماع إليه أولا وبذلك تستدرجهم إلى التحدث والحديث الشيّق اللذيذ فتصغي إليهم بشغف، ويعتبرونك محدثا بارعا تستطيع جلب مسرتهم، وامتدح الناس فيما يجيدونه، واختر شيئا جميلا فيهم وحدثهم عنه ولن تعدم ذلك الشيء الجميل، فالناس يختلفون ويتفاوتون، ولكنه لا يمكن إلا أن تجد شيئا جميلا في كل فرد منهم.
فالناس يحبون أن تمدح الناحية الجميلة فيهم، وإن السعادة والراحة والطمأنينة في محبة الله سبحانه وتعالي والأنس به والشوق إلى لقاءه والرضا به وعنه، فمحبته تعالى بل كونه أحب إلى العبد من كل ما سواه على الإطلاق من أعظم واجبات الدين وأكبر أصوله وأجلّ قواعده ومن أحب معه مخلوقا مثل ما يحبه فهو من الشرك الذي لا يغفر لصاحبه ولا يقبل معه عمل وإذا كان العبد لا يكون من أهل الإيمان حتى يكون عبد الله ورسوله أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين ومحبته تبع لمحبة الله، فما الظن بمحبته سبحانه وهو سبحانه لم يخلق الجن والإنس إلا لعبادته التي تتضمن كمال محبته وكمال تعظيمه والذل له ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه وعلى ذلك وضع الثواب والعقاب وأُسست الجنة والنار وإنقسم الناس إلى شقي وسعيد.
وكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فليس كمحبته وإجلاله وخوفه محبة وإجلال ومخافة، فالمخلوق كلما خفته استوحشت منه وهربت منه والله سبحانه كلما خفته أنست به وفررت إليه، والمخلوق يخاف ظلمه وعدوانه والرب سبحانه إنما يخاف عدله وقسطه وكذلك المحبة فإن محبة المخلوق إذا لم تكن لله فهي عذاب للمحب ووبال عليه، وتلك لعمر الله الفتنة الكبرى والبلية العظمى التي إستعبدت النفوس لغير خلاقها وملكت القلوب لمن يسومها الهوان من عشاقها وألقت الحرب بين العشق والتوحيد ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد، فصيرت القلب للهوى أسيرا وجعلته عليه حاكما وأميرا، فأوسعت القلوب محنة وملأتها فتنة وحالت بينها وبين رشدها وصرفتها عن طريق قصدها ونادت عليها في سوق الرقيق
فباعتها بأبخس الأثمان وأعاضتها بأخس الحظوظ وأدنى المطالب عن العالي من غرف الجنان فضلا عما هو فوق ذلك من القرب من الرحمن، فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألمها به أضعاف لذتها ونيله والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها، فما أوشكه حبيبا يستحيل عدوا عن قريب ويتبرأ منه محبه لو أمكنه حتى كأن لم يكن بحبيب وإن تمتع به في هذه الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين لاسيما إذا صار فيقول تعالي “الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين”
الطمأنينة في محبة الله سبحانه وتعالي




