الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

فضيحة .. الستر

فضيحة .. الستر
بقلم: نعمة حسن
لم يعد الستر يُنتزع منا قسرًا…
بل صرنا نحن من يخلعه، قطعةً قطعة،
ثم نقف على حافة الانكشاف… ونطلب التصفيق.
لم تكن المجتمعات تُقاس يومًا بما تُعلنه،
بل بما تُخفيه بحكمة.
فالإنسان—في أعمق تعريفاته—
ليس ما يَعرضه على الملأ،
بل ما يصونه عنهم.
غير أن شيئًا ما قد انكسر.
لم يعد البيت حرمًا،
ولا النوم سكونًا،
ولا الخلاف شأنًا يُدار خلف الأبواب.
لقد تحوّل الخاص إلى مادة عرض،
وتحوّل الستر—في وعيٍ مشوَّه—
إلى عبءٍ ينبغي التخلّص منه.
نحن لا ننشر تفاصيلنا فحسب…
نحن نُعيد تعريف كرامتنا.
نصوّر موائدنا لا لنحتفي بها،
بل لنستجدي نظرة.
ونبث خلافاتنا لا لنحلّها،
بل لنُشرك الغرباء في تشريحها.
حتى الألم…
لم يعد يُعاش في صمت،
بل يُستهلك علنًا،
كما تُستهلك السلع.
المأساة ليست في “النشر”…
بل في هذا التواطؤ الخفي بين الرغبة في الظهور
والاستعداد لدفع الثمن.
وما الثمن؟
أن تتحوّل من إنسانٍ له حدود،
إلى محتوى بلا سياج.
لقد أقنعتنا المنصات—بدهاءٍ بالغ—
أن الوجود مرهونٌ بالعرض،
وأن الصمت غياب،
وأن ما لا يُنشر… لا يُحسب.
فصرنا نُهرول إلى الضوء،
حتى لو كان كاشفًا قاسيًا،
يعرّي أكثر مما يُنير.
وفي هذا السعي المحموم،
فقدنا أهم ما يملك الإنسان:
مساحته الخاصة.
تلك المساحة التي
تنمو فيها العلاقات بعيدًا عن العيون،
وتلتئم فيها الجراح دون جمهور،
وتُصان فيها الكرامة من الابتذال.
ليس كل ما يُعرف يُقال،
ولا كل ما يُقال يُنشر،
ولا كل ما يُنشر يُغتفر.
إننا—دون أن نشعر—
نُدرّب العالم على التفرّج علينا،
لا على احترامنا.
نُعلّم الآخرين كيف يقتحموننا،
ثم نندهش من جرأتهم.
وهنا المفارقة:
كلما ازددنا انكشافًا…
ازددنا هشاشة.
وكلما قلّ الستر…
قلّ الهيبة.
ليس الستر تخلّفًا،
ولا الخصوصية نقصًا.
بل هما—في جوهرهما—
آخر خطوط الدفاع عن إنسانيتنا.
قد لا ينتبه أحدٌ إلى اللحظة التي فقد فيها نفسه،
لكن الجميع يرى صورته بعد السقوط.
فاسأل نفسك، قبل أن تنشر:
هل هذا يُضيف شيئاً ..
هل انت تنشر فكراً ..او حتى تنشر طاقة ايجابية .. او اسلوب حياة مميز يتعلمه الناس منك .. هل يضيف اليك شيئا .. هل يحترم الناس فكرك من خلاله ..هل يضيف لشخصك … أم يخصم منها؟
لأن ما يُنشر اليوم…
قد يُلازمك غدًا،
كأثرٍ لا يُمحى.
ليست المشكلة أن هناك من يُشاهد…
المشكلة في الانطباع والاثر الذي تتركه ..
المشكلة أننا فتحنا الأبواب… ونسينا كيف نُغلقها.
فبرجاء.. لا أقول اغلقوها بقدر ما اقول اغلقوا على كل ما هو واجب ستره ..
حفظنا الله جميعا وحفظ لنا مصر قائداً .. جيشاً ..شعباً طيب الأعراق .
مع تحياتي ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى