أخبار محليه

الرضا بقضاء الله وقدره

الرضا بقضاء الله وقدره

بقلم دكتور. محمد عرفه

مقالات ذات صلة

اعلم أخي الحبيب الغالي أن الحياة جد وكفاح فهنيئا لمن جد وكافح واجتهد في رضا مولاه طمعا في الأجر والثواب فقال تعالي “إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب ” ربما يكون الأجر صحة وعافية وستر من الله عز وجل في الدنيا وربما يكون مال يبارك لك فيه في الدنيا فتكون سبب لأهل الخير وربما يكون ولد صالح وذرية صالحة ربما يجمع كل ذالك وربما يدخره لك في الآخرة وهذا هو الباقي والأهم فقال تعالي في محكم كتابه الكريم” والآخرة خير وأبقى “وأعلم أن الحياة نعمة من الله عز وجل فكن مقدرا لهذه النعمة فقال تعالي في محكم كتابه الكريم “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قدأفلح من زكاها وقد خاب من دساها” فاللهم إجعلنا من المتقين الفالحين ولا تجعلنا من الخائبين الخاسرين. وقال تعالي في محكم كتابه الكريم ” فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المآوي وأما من خاف مقام ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي المآوي ” وعلمنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حينما نادي على عبدالله إبن عباس يا غلام إني أعلمك كلمات إحفظ الله يحفظك إحفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فأسأل الله وإذا إستعنت فأستعن بالله وأعلم أن الأمة لو إجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا قد كتبه الله لك ولو إجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك يا غلام رفعت الأقلام وجفت الصحف.

الرضا بقضاء الله وقدره:

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: لأن أعضّ على جمرة حتى تبرد أحب إلي من أقول لشيءٍ قد قضاه الله ليته لم يكن.

عن مجاهد في قوله: ” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ” قال: الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها وما أخطأها لم يكن ليصيبها.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: لا بدَّ من نفوذ القدر فاجنح للسلم.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: الله يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفع أو يضر فلا مدخل للعقل في أفعاله ولا معارضة لأحكامه بل يجب على الخلق الرضا

من أسباب الرضا بالقضاء:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحمد على الضراء يوجبه مشهدان:

أحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه فإنه أحسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء وهو العليم الحكيم الخبير الرحيم.

الثاني: علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه كما روى مسلم في صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” والذي نفسي بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم إن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى:” إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ” وذكرهما في أربعة مواضع من كتابه.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: تستوي النعمة والبلية عنده في الرضا بهما لوجوهٍ:

أحدها: أنه مفوض والمفوض راضٍ بكل ما اختاره له من فوّض إليه ولا سيما إذا علم كمال حكمته ورحمته ولطفه وحسن اختياره له.

الثاني: أنه جازم بأنه لا تبديل لكلمات الله ولا راد لحكمه وأنه ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن فهو يعلم أن كلاًّ من البلية والنعمة بقضاءٍ سابقٍ وقدرٍ حتم.

الثالث: أنه عبد محض والعبد المحض لا يتسخط جريان أحكام سيده المشفق البار الناصح المحسن بل يتلقاها كلها بالرضا به وعنه.

الرابع: أنه محبّ والمحب الصادق من رضي بما يعامله به حبيبه.

الخامس: أنه جاهل بعواقب الأمور وسيده أعلم بمصلحته وما ينفعه فسلم أمرك لمن هو أعلم .

السادس: أن يعلم أن رضاه عن ربه في جميع الحالات يثمر له رضا ربه عنه فإذا رضي عنه بالقليل من الرزق رضي ربه عنه بالقليل من العمل وإذا رضي عنه في جميع الحالات واستوت عنده وجده أسرع شيء إلى رضاه إذا ترضاه وتملقه.

السابع: أن يعلم أن أعظم راحته وسروره ونعيمه في الرضا عن ربه في جميع الحالات فإن الرضا باب الله الأعظم ومستراح العارفين وجنة الدنيا فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه ولا يستبدل بغيره منه.

الثامن: أن السخط باب الهم والحزن وشتات القلب والرضا يفرغ قلبه ويثقلُّ همه وغمه فيتفرغ لعبادة ربه بقلبٍ خفيفٍ من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها

التاسع: الرضا يوجب له الطمأنينة وبرد القلب وسكونه وقراره والسخط يوجب اضطراب قلبه وريبه وانزعاجه وعدم قراره.

العاشر: أن الرضا يُنزل عليه السكينة التي لا أنفع له منهاومتى نزلت السكينة استقام وصلحت أحواله وصلح باله والسخط يُبعده منها بحسب قلته وكثرته وإذا ترحلت عنه السكينة ترحل عنه السرور والأمن والراحة وطيب العيش.

الحادي عشر: أن الرضا يفتح له باب السلامة فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والغل والغلظة والضغينة والحسد وكلما كان أشدَّ رضا كان قلبه أسلم فالخبث والغل والغش والحسد قرين السخط وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا.

الثالث عشر: أن من ملأ قلبه من الرضا بالقدر ملأ الله صدره غنى وأمناً وقناعةً وفرغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه ومن فاته حظُّه من الرضا امتلأ قلبه بضد ذلك واشتغل عمَّا فيه سعادته وفلاحه لذالك كن دائماً وأبداً من المخلصين الراضين بحكم الله وقدره وارضا بما قسمه الله لك تكن اغني الناس ولا ترد الإساءة بالإساة وكن ممن يستمعون القول فتحسن العمل فاللهم إجعلنا ممكن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ودائماً نلتقي على الخير .

الثاني عشر: الرضا بالمقدور من سعادة ابن آدم وسخطه من شقاوته قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “من سعادة ابن آدم استخارة الله عز وجل ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله” فالرضا بالقضاء من أسباب السعادة والتسخط على القضاء من أسباب الشقاوة.

الرابع عشر: أن الرضا يثمر الشكر الذي هو من أعلى مقامات الإيمان بل هو حقيقة الإيمان والسخط يثمر ضده وهو كفر النعم.فإذا رضي عن ربه في جميع الحالات أوجب له ذلك شكره فيكون من الراضين الشاكرين وإذا فاته الرضا كان من الساخطين وسلك سبيل الكافرين فكن شاكراً لنعم الله عز وجل والرضا طريق الفلاح في الدنيا والآخرة ودائماً نلتقي على الخير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى