
جراح بلغة طبيب
بقلم: منى جمال
لا تتوه في المعنى ولكن المراد أن تتمعن، لا تختلس النظر ولكن تأمل، لا تحتار في الراوي ولماذا يكتب تلك الكلمات، لعله رأى مالم ترى، أو ساعدك في تلقي إجابات لطالما تساءلت ولكن هيهات، أتريد أن تعرفه، فقط ألقي ناظريك على تلك العيون الصامتة، ساعات من الصمت والتأهب والتركيز، صيحات داخله لا يسمعها إلا هو، دوي وإصرار على بقاء حياة نفس تحت يديه ودعاء بألا يخيب، أنفاس مكممة عليها أن تتحمل حتى لا يصاب ولا يصيب، رجل لا يسمح ليديه أن ترتعش ولا لقلبه أن يرتجف، لا معنى لمثل تلك المسميات حتى وإن كان مريضهُ من ذويه، قلبه ميت أم أنها أسرار المهنة، هل الجميع يعلم، أم أنها سر نجاحه، كثيرًا ما تساءلت عن أسباب ذلك الغموض في ذلك الرجل، ماذا يدور في عقله وما بال حديثه ونفسه، نضجٌ هو أم أنها ممارسة طوال أعوام مضت أكسبته خبرةً، سمعت كثيرًا عن إنسانيته، كم هو رقيق ورحيم، لا يكف الأمر عن جراحة، وإنما هو دؤوب في المتابعة، يا حيرة قلبي في أمره، فيلسوف تارة و جزارًا تارة أخرى، قلبه إنسانًا، وصمته بركانًا، غضبه مبررًا وإن خشيتهُ، كل هذا ولا زلت لا أعرفه فهو غامض كسحابة لا تتوق على اعتناق أخرى، ولا تهوى الإفصاح عن هويتها، ربما لا يعنيك مرداي وفحوى حديثي، لعله للقارئ أمرًا غير معني به؛ ولكن ما لا تعلمه أنه حولك في كل مكان ولا تفقهه، تحسبه هينًا وهو عظيم، فكم من ظاهر منطقي والمخفي عنا رجيم، ربما جلودهم ناعمة تتزين بألوان النعيم؛ وربما داخلهم حجرًا لا ينطق ولا يسمع ولا يصيب، أيدي باردة ومشاعر كالمياه الراكدة تجلس جانبها ولكن لا تثير، في جريان الماء وتدفقها حياة وهم للظلام عُباد للنور، قناع خاص وهيئة من أغلى طراز والعمق تحسبه قريب وهو ساحق، حالك الظلام، لقد جازفت بحياة قلبي حينما اقتربت، لم أعلم أبدًا أن ما سأراه سيجعلني أندم، لقد رأيت فيه آية رب العزة حينما أعطى عباد له بسطة في العلم والجسم وهم للإنكار غُلظة كبرياء وتعالي وكأن الأرض لم تصنع لغير سواه وورثه نقيض كل شيء في عيونه، ولكن احترس فأنت تقترب، فكم من كائنات سبحان الخالق والسم داخلها داء محال معه شفاء، أراك تتساءل وقد مُلأت شغفًا، ما الناس جميعها نقيض لنقيض، طبيبًا أو عالمًا أو حتى غفيرًا، قد خلقنا الله على ذلك ولا يحق لنا الإنكار؛ ولكن تريث هنا لوهلة، ربما أردت إخراج مكنونًا عن ذات طال بقاءها حديثًا، مكثت بحياتك أم سارت عبثًا، لا تجعلها بحياتك مثلا يـُحتذى، وإنما اجعلهم عابروا سبيل مروا بديارك ورحلوا، لا تقف على هيئتهم وما أضمروا فحياتك لن تقف عند معطفهم، ولكن رسالتي لك، اجعل عينك دومًا على قارعة الطريق؛ لا تسمح بعودة ولا طيف رحالهم وإن اجتمعوا وامسح على قلبك إن فعلوا.
يا طبيب، طبت إن كنت مجرد عابرًا وسلمت مالم تكن جراحًا تقطع وتنفك هاربًا، كن كصمتك حنونًا، ولا تكن مثل مشرطك جذاذًا، فالأمل يصنع دائمًا عندما يكون محتواك مثل عيونك.
طبيبي ليس جراحًا
جراح بلغة طبيب






