أخبارأخبار عربيهدنيا ودين

حين بكي مغيث واختارت بريره حريتها

حين بكي مغيث واختارت بريره حريتها..
كتبت وفاء سالم سراي
“يخطئ من يظن أن الإسلام دين جاف يقتصر على الأحكام والتشريعات الصارمة؛ بل إن المتأمل في نصوص الوحيين —الكتاب والسنة— يجد أن ‘الحب’ هو المحرك الأساسي للعلاقات الروحية الإنسانية.
قصةمغيث وبريرة  هي واحدة من أغرب وأصدق قصص الحب التي خلدتها السيرة النبوية، وهي قصة فريدة لأنها تنقل لنا حباً جارفاً من طرف واحد، وكيف تعامل النبي ﷺ مع هذه العاطفة الإنسانية بمنتهى الرحمة والعدل، دون إجبار أو قهر.
كان مُغيث وبَريرة عبدين مملوكين في المدينة المنورة، وتزوجا وهما في حالة العبودية هذه. كان مغيث يحب زوجته بريرة حباً يملك عليه مجامع قلبه وعقله.
اشترت السيدة عائشة رضي الله عنها “بريرة” وأعتقتها (أصبحت حرة)، بينما ظل زوجها “مغيث” عبداً مملوكاً.
في الشريعة الإسلامية، إذا أُعتقت الأمة (العبد المملوك) وظل زوجها عبداً، فإن لها حق الخيار :إما أن تختار البقاء معه وتستمر الزيجة، أو الفراق.
ولأن بريرة لم تكن تحب مغيثاً، ولعلها سئمت حياة الماضي، اختارت فوراً الفراق والانفصال عنه.
لم يتحمل مغيث هذا الفراق، وطار عقله حزناً على فراق حبيبته وزوجته.
وصف الصحابي ابن عباس رضي الله عنهما هذا المشهد المؤثر قائلاً:
“كأني أنظر إلى مغيث يطوف خلفها في سكك المدينة يبكي، ودموعه تسيل على لحيته”
كان يمشي وراءها في الطرقات يستعطفها ويرجوها أن تعود إليه، وهي تأبى وترفض.
رقّ قلب النبي ﷺ لحال مغيث وحزنه الشديد، حتى إنه التفت إلى عمه العباس وقال له متعجباً من شدة العاطفة:
“يا عباس، ألا تعجب من حُبّ مغيثٍ بريرةَ، ومن ُبغضِ بريرةَ مغيثاً؟!”
ولم يكتفِ النبي ﷺ بالتعجب، بل قرر أن يشفع لمغيث بنفسه. فذهب إلى بريرة وقال لها: ” لو راجعتِهِ؟”
 (أي: ليتكِ تعودين إليه وترحمين حاله).
هنا يتجلى موقف عظيم يُظهر وعي المرأة المسلمة بالحقوق، وعدالة النبي ﷺ. سألته بريرة ذكية مستفسرة:
” يارسول الله، تأمرني؟”
(أي: هل هذا أمر شرعي وواجب النفاذ والطاعة؟).
فأجابها النبي ﷺ بكل أمانة ورحمة:” إنما أنا أشفع” (أي: أنا وسيط أحاول الإصلاح، ولست آمراً).
فقالت بريرة بوضوح صريح:” لا حاجة لي فيه” .
ولم يغضب النبي ﷺ من رفضها، ولم يمارس عليها أي ضغط، بل احترم رغبتها وقلبها الذي لا يميل لمغيث، وانتهت القصة بفراقهما.
 والإسلام هنا لم ينكر على مغيث دموعه وحبه الجارف، ولم يعبه الصحابة أو النبي على هذا البكاء.
 القصة دليل قاطع على أن الإسلام لا يُكره المرأة على العيش مع رجل لا تحبه، حتى لو شفع في ذلك رئيس الدولة ونبي الأمة ﷺ.
 حرص النبي ﷺ على تبيين صفته في الموقف (شافع لا آمر)، حتى لا تظن بريرة أن دينها يلزمها بما تكرهه نفسها.
هكذا تتجلي عظمة الدين الإسلامي في حفظ حقوق وحرية المرأة المسلمة في الاختيار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى