
مسرحية محاكمة جارية
تأليف: د. حاتم العنانى (القاهرة)
الشخصيات:
(الرواة (10) – القاضى – شجرة الدر – النيابة – الدفاع)
راوى (1):
شجرة الدر.. رغم كونها مجرد جارية اشتراها السلطان الصالح نجم الدين أيوب، لكنها استطاعت وبقوة أن تستميل عقل وقلب الصالح نجم الدين، فوقع في حبها، حتى قبل أن يصبح سلطاناً،
راوى (2):
لقد كانت شجر الدر تتمتع بالجمال والذكاء الكبيرين، وقد ساعدها ذلك على الظفر بحب السلطان الصالح أيوب، واستحوذت شجر الدر على قلبه،
راوى (3):
رافقت شجرة الدر السلطان الصالح أيوب في فترة اعتقاله في الكرك سنة 1239م،
راوى (4):
حظيت شجرة الدر عند السلطان الصالح أيوب بمكانة عالية حتى أعتقها وتزوجها وأنجبت منه ابنها خليل، لُقِبَ بالملك المنصور، والذي توفي في الصغر.
راوى (5):
بعد ما خرج الصالح من السجن ذهبت شجرة الدر معه إلى مصر وتزوجا هناك.وبعد أن أصبح سلطان مصر عام (1240م)، بقيت تنوب عنه في الحكم عندما يكون خارج مصر.
راوى (6):
أعتق السلطان الصالح أيوب شجرة الدر، وتزوجها، وبعد وفاة أم توران شاه، صممت على ألا يكون لها منافسة خاصة بعد أن أنجبت ابنها خليل.
يفتح الستار
المكان:
(قاعة المحكمة)
راوى (7):
(((المحاكمة))):
القاضى:
هل أنت المدعوة شجرة الدر؟
شجرة الدر:
أجل، أنا الملكة شجرة الدر، ملكة عرش مصر.
راوى (8):
(وبدأ استجواب شجرة الدر)
القاضى:
التهمة الأولى المنسوب إليك هى إخفاء خبر موت زوجك الملك الصالح أيوب.
شجرة الدر:
لقد مات الملك الصالح أيوب بعد أن حكم مصر 10 سنوات فى لحظة حرجة جداً، من تاريخها فاضطررت لذلك.
القاضى:
وضحى كلامك.
شجرة الدر:
قبل أن يتمكن من استعادة سيطرته على البلاد وهزيمة الحملة الصليبية مات الملك الصالح.
القاضى:
فسرى حديثك أكثر.
شجرة الدر:
في أبريل 1249م، كان الصالح أيوب في الشام يحارب الملوك الأيوبيين الذين ينافسوه على الحكم، وصلته أخبار أن ملك فرنسا لويس التاسع في طريقه لمصر على رأس حملة صليبية كبيرة حتى يغزوها.بالقرب من دمياط على البر الشرقي للفرع الرئيسي للنيل.
القاضى:
وهل تم الغزو بالفعل؟
شجرة الدر:
في يونيو 1249م نزل فرسان وعساكر الحملة الصليبية السابعة من المراكب على بر دمياط ونصبوا خيمة حمراء للملك لويس.وانسحبت العربات التي كان قد وضعها الملك الصالح في دمياط للدفاع عنها فأحتلها الصليبيون بسهولة وهي خالية من سكانها الذين تركوها عندما رأو هروب العربات.
القاضى:
وما كان رد فعل الملك الصالح على هذا الموقف؟
شجرة الدر:
حزن الملك الصالح وعدم عدداً من راكبي العربات بسبب جبنهم وخروجهم عن أوامره. ثم انتقل الصالح إلى مكان آمن في المنصورة، ولكن وافته المنية.
القاضى:
وماذا فعلت؟
شجرة الدر:
قمت باستدعاء كلاً من الأمير / فخر الدين يوسف (قائد الجيش المصري) والطواشى جمال الدين محسن (رئيس القصر السلطاني).
القاضى:
لما كان الاستدعاء؟
شجرة الدر:
قلت لهم أن الملك الصالح توفى وأن مصر الآن في موقف صعب من غير حاكم وهناك غزو خارجي متجمع في دمياط.
القاضى:
ثم ماذا؟
شجرة الدر:
اتفقنا نحن الثلاثة على إخفاء خبر موت الملك، حتى لا تضعف معنويات العسكر والناس ويتشجع الصليبيون.
القاضى:
وماذا فعلت بجثمان الملك؟
شجرة الدر:
قمت بتغسيل وتكفين جثمان الملك ووضعه في صندوق، ووضع الصندوق بمركب في النيل وركبت بجانبه، وتم دفن الجثة فى قلعة جزيرة الروضة، وعدت مرة أخرى إلى مركز القيادة، وكان ذلك سراً بدون علم أحد.
القاضى:
وهل لم يشعر الآخرين بغياب الملك؟
شجرة الدر:
ادعينا أن السلطان مريض، ولا يستطيع مقابلة أحد. وكنا ندخل الطعام للغرفة التي كان من المفروض أن يكون نائماً فيها، حتى لا يشك أحد.
القاضى:
التهمة الثانية الموجهة إليك، هى تزوير إصدار الأوامر السلطانية بعد موت الملك الصالح
شجرة الدر:
مع أن الصالح بن أيوب لم يوص قبل أن يموت بمن يتولى الحكم من بعده، لكنه كان أعطى لى أوراقاً على بياض حتى استخدمها لو مات.
القاضى:
وهل استخدمتيها بالفعل؟
شجر الدر:
بقيت أنا والأمير فخر الدين نصدر الأوامر السلطانية على هذه الأوراق.
القاصى:
استمرى فى كلامك.
شجرة الدر:
أصدرنا أمراً سلطانياً بتجديد العهد للسلطان الصالح أيوب وتنصيب ابنه توران شاه ولي عهد للسلطنة المصرية وحلف الامراء والعساكر.
القاضى:
اكملى كلامك؟
شجرة الدر:
بعد انتشار خبر موقت السلطان الصالح، تشجع الصلبيين وعزموا على التحرك والخروج من دمياط والتوجه للقاهرة.
القاضى:
واصلى حديثك.
شجرة الدر:
وهجموا فجأة على المعسكر المصري في جديلة على بعد نحو 3 كليومتر من المنصورة،
القاضى:
كلى آذان صاغية لك.
شجرة الدر:
وقتل الأمير فخر الدين يوسف زراع شجرة الدر الحربى. وهو خارج من الحمام، وعلى صوت الضجة والصريخ.
القاضى:
وماذا فعلت عساكر جديلة؟
شجرة الدر:
هربت العساكر التي بغتها الهجوم الغير متوقع وذهبوا إلى المنصورة.
القاضى:
وكيف كان تصرفك؟
شجرة الدر:
وضعت بمساعدة الأمير ركن الدين بيبرس، خطة بارعة محكمة، دخل فيها الفرسان الصليبيين المندفعين نحو المنصورة في مصيده،
القاضى:
وكيف دخلوا المصيدة؟
شجرة الدر:
جمع، ونظم بيبرس فارس الدين أقطاي – الذي أصبح القائد العام للجيوش المصرية – صفوف العساكر المنسحبين من جديلة داخل المنصورة وطلب منهم ومن السكان التزام السكون التام بحيث أن الصليبيين المهاجمين يضنون أن المدينة خالية مثل ما حصل في دمياط.
القاضى:
وهل وقع الصليبين فى الفخ.
شجرة الدر:
فعلاً وقع الفرسان الصليبيين في الفخ واندفعوا إلى داخل المنصورة واتجهوا نحو القصر السلطاني حتى يحتلوه.
القاضى:
وكيف كان رد الفعل؟
شجرة الدر:
خرجت لهم المماليك البحرية والمماليك الجمدارية، فجأة وهاجموهم من كل ناحية بالسيوف والسهام وخرج سكان المنصورة والمتطوعين وهم يرتدون خوذ من النحاس الأبيض بدل خوذات العساكر وضربوهم بكل ما أوتيوا من قوة.
القاضى:
لا تتوقفى عن الكلام.
شجرة الدر:
حاصر المماليك القوات الصليبية المهاجمة واغلقوا الشوارع والحواري وبقى الصليبيين غير قادرين على الهروب.
القاضى:
وكيف تصرف الصليبيين فى هذه الورطة؟
شجرة الدر:
لم يبقى أمام الصليبين سوى الموت على الأرض أو أن يرموا أنفسهم في نهر النيل ويغرقوا فيه، وانتهت المعركة بهزيمة الصليبيين هزيمة نكراء.
القاصى:
وماذا كان عن السلطان الجديد توران شاه؟
شجرة الدر:
انقلب على، فبعد النصر تنكر السلطان الجديد لى، وبدلاً من أن يحفظ لى جميلى بعث يتهددى ومطالتى بمال أبيه، فكنت أجيبه بأنن أنفقته في شؤون الحرب، وتدبير أمور الدولة، فلما اشتد علي، ورابنى خوف منه ذهبت إلى القدس خوفًا من غدر السلطان وانتقامه.
القاضى:
وهل أكتفى السلطان توران شاه بذلك؟
شجرة الدر:
لم يكتف توران شاه بذلك بل أمتد حنقه وغيضه ليشمل أمراء المماليك، أصحاب الفضل الأول في تحقيق النصر العظيم وإلحاق الهزيمة بالحملة الصليبية السابعة،
القاضى:
وماذا فعل بأمراء المماليك؟
شجرة الدر:
بدأ يفكر في التخلص منهم غير أنهم كانوا أسبق منه في الحركة وأسرع منه في الإعداد فتخلصوا منه بالقتل على يد أقطاي.
القاضى:
وماذا فعلوا بعد أن تخلصوا من السلطان توران شاه؟
شجرة الدر:
وجد المماليك أنفسهم في وضع جديد فهم اليوم أصحاب الكلمة الأولى في البلاد ومقاليد الأمور في أيديهم، ولم يعودوا أداة في يد من يستخدمهم لتحقيق مصلحة أو نيل هدف وعليهم أن يختاروا سلطاناً للبلاد، وبدلاً من أن يختاروا واحداً منهم لتولي شؤونن البلاد اختارونى لتولي هذا المنصب الرفيع.
القاضى:
وهل تمت البيعة بالفعل؟
شجرة الدر:
أخذت مبايعة لى كسلطانة جديدة من المماليك وأعيان الدولة: ونقش اسمى على السِّكة بالعبارة الآتية “المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة خليل أمير المؤمنين”. وتحتوي مقتنيات المتحف البريطاني على قطعة من عملتى النادرة
القاضى:
وماذا فعلتى بعد جلوسك على كرسى العرش؟
شجرة الدر:
ما أن جلست على العرش حتى قبضت على زمام الأمور وأحكمت إدارة شئون البلاد،
القاضى:
وما هو أول عمل كان موضع اهتمامك؟
شجرة الدر:
كان أول عمل اهتممت به هو تصفية الوجود الصليبي في البلاد.
القاضى:
وكيف كان ذلك؟
شجرة الدر:
بإدارة مفاوضات معهم انتهت بالاتفاق مع الملك لويس التاسع الذي كان أسيراً بالمنصورة على تسليم دمياط وإخلاء سبيله وسبيل من معه من كبار الأسرى، مقابل فدية كبيرة قدرها ثمانمائة ألف دينار، يدفع نصفها قبل رحيله والباقي بعد وصوله إلى عكا مع تعهد منه بعدم العودة إلى سواحل البلاد الإسلامية مرة أخرى.
القاضى:
ماذا جرى بعد ذلك؟
شجرة الدر:
ولكن تأت الرياح بما لا تشتهى السفن، فالظروف لم تكن مواتية لأن استمر في الحكم طويلاً، على الرغم مما أبديته من مهارة وحزم في إدارة شؤون الدولة وتقربها إلى العامة وإغداقها الأموال والإقطاعات على كبار الأمراء،
القاضى:
ماذا حدث؟
شجرة الدر:
لقيت معارضة شديدة داخل البلاد وخارجها، وخرج المصريون في مظاهرات غاضبة تستنكر جلوس امرأة على عرش البلاد، وعارض العلماء ولاية المرأة الحكم وقاد المعارضة العز بن عبد السلام لمخالفة جلوسى على العرش للشرع.
القاصى:
وماذا عن الأيوبيين فى الشام بعد مقتل توران شاه؟
شجرة الدر:
في الوقت نفسه ثارت ثائرة الأيوبيين في الشام لمقتل توران شاه واغتصاب المماليك للحكم بجلوس شجر الدرّ على عرش الحكم، ورفضت الخلافة العباسية في بغداد أن تقرّ صنيع المماليك،
القاضى:
وهل سكت الخليفة عن الأمر؟
شجرة الدر:
فكتب الخليفة المستعصم المماليك: “إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً”.
القاضى:
وماذا كان رد فعلك؟
شجرة الدر:
لم أجد إزاء هذه المعارضة الشديدة بداً من التنازل عن العرش للأمير عز الدين أيبك التركمانى، أتابك العسكر الذي تزوجته، وتلقب باسم الملك المعز، وكانت المدة التي قضيتها على عرش البلاد ثمانين يوماً.
القاضى:
وماذا بعد التنازل؟
شجرة الدر:
ورغم تنازلى عن الحكم رسمياً، إلا أننى ظللت خلف الستار، أمارس الحكم بمشاركة زوجى المسؤولية، وكنت المحرك الأساسى لكل كبيرة وصغيرة، فى شؤون البلاد، فخضع السلطان لسيطرتى، فأرغمته على هجر زوجته الأولى أمّ ولده (على) وحرّمت عليه زيارتها هي وابنها، وسيطرت على أمور السلطان
القاضى:
أنت متهمة بقتلك للسلطان.
القاضى:
(((الشهود)))
القاضى:
الشاهد الأول (المؤرخ الكبير “ابن تغري بردي”)
قال المؤرخ الكبير “ابن تغري بردي”: “إن شجرة الدر كانت مسؤولية على أيبك في جميع أحواله، إلا أنه أنقلب عليها فيما بعد وهجرها، لكنها احتالت عليه حتى عاد لها وقتلته”
النيابة:
أشاعت المتهمة شجرة الدر أن المعزّ لدين الله أيبك قد مات فجأة بالليل،
القاضى:
وهل صدق مماليك أيبك الاشاعة؟
النيابة:
لكن مماليك أيبك لم يصدقوا الاشاعة، فقبضوا عليها وحملولها إلى امرأة عز الدين أيبك، التي أمرت جواريها بقتلها بعد أيام قليلة، فقاموا بضربها بالقباقيب الخشبية على رأسها إلى أن ماتت وألقوا بها من سور القلعة، وليس عليها سراويل وقميص، فباتت فى خندق، ثم جاء الجنود فدفنوها،بعد عدة أيام.
الدفاع:
وهكذا انتهت حياة شجرة الدر على هذا النحو بعد أن كانت ملء الأسماع والأبصار، وقد أثنى عليها المؤرخون المعاصرون لدولة المماليك،
القاضى:
الشاهد الثانى (ابن تغري بردي)
قال (ابن تغري بردي) عن شجرة الدر: وكانت خيّرة دَيِّنة، رئيسة عظيمة في النفوس، ولها مآثر وأوقاف على وجوه البِرّ.
القاضى:
الشاهد الثالث (المؤرخ ابن إياس)
قال المؤرخ ابن إياس عن شجر الدر : “كانت ذات عقل و حزم، كاتبة قارئة، عارفة بإمور المملكة ” و ” نالت من الدنيا ما لم تنله امرأه قبلها و لا بعدها”.
القاضى:
ترفع الجلسة للمداولة،
راوى (9):
(مضى فترة قصيرة من الانتظار، ثم دخل القاضى والمستشاران والمدعى العام)
القاضى:
شجرة الدر، بالرغم من المتهم المنسوبة إليها فهى مثالاً قوياً للمرأة القائدة، يتحاكى بذكائها العالم، فقد عاشت شجر الدر، مكرمة وجليلة، ذات نفوذٍ وقوة، فهى حقاً غيرت مجرى التاريخ، إن سيرة شجر الدر، مازالت تروى، وهناك العديد من النساء ممن تتمنين أن تقمن بشخصية شجر الدر، وذلك لقوة نفوذها، وذكائها ودهائها، وقدرتها العجيبة في الحكم. وقد خلد التاريخ ذكراها، وذكر الخدمات التي قدمتها للمسلمين ومصر. إلا أن غيرتها على كبريائها وكرامتها، كانت السبب الذي دفعها لارتكاب تلك الجرائم، التي أسقطتها من قمة الشهرة وقضت عليها. وبناء عليه نكتفى بأنها ماتت ميتةٍ ذليلة ومهينة. ولذلك حكمت المحكمة حضورياً، ببراءة التهمة.
رفعت الحلسة.
راوى (10):
(((ما رأيكم بالحكم؟ هل ارتضيتم به؟)))
(يسدل الستار)






