مقالات

لا تحزنوا إن الله معكم

بقلم : د. غادة محمد عبد الرحمن
“لا تحزن إن الله معنا” بهذه الجملة هدأ رسول الله ﷺ من روع أبو بكر الصديق “رضي اللّه عنه” عندما كانا في غار ثور، وكان الكفار يطاردوهما للنيل من رسولنا الكريم، وذلك في يوم رحلة الهجرة النبوية، حيث كانا بمفردهما محاصران بين ظلمة الغار الموحش وسيوف الكفار الذين ينتظرون على بعد خطوات، ولكن الله عزّ وجل كان معهما وسخر لهما جنودً لم يروها، ورد شر الكفار عنهما، وأيدهما بنصره العزيز.
نفس مشهد غار ثور يتكرر اليوم على أرض غزة، ومع أهلها الذين تخلى عنهم الجميع من أشقاء في العروبة وفي الإسلام، ومجتمع دولي يدعي التحضر، والرقي الإنساني، ويتشدق دائماً بالدفاع عن حقوق الإنسان وحمايته من أي إعتداء كان، ليتركوهم محاصرين بين قصف، وهدم، وحرق، وتجويع، دون تدخل أي طرف لوقف هذه المهازل المشينة، التي تمثل وصمة عار في جبين الإنسانية، وإتخذ الجميع دور المتفرج، المكتفي بالشجب، والإدانة، والتظاهرات هنا وهناك، وحتى بعد ما انتشر مؤخراً من مشهد رهيب أدمى القلوب لمهاجمة كلب جنود الاحتلال البوليسي لمسنة فلسطينية كانت نائمة في بيتها، لم يحرك أحد ساكناً.
وعلى الرغم من كل ما يعانيه أهل غزة إلا أنهم لم يحزنوا لأن الله معهم، يمدهم بالقدرة على الصمود أمام عدو همجي، لا يهدف إلى ذبح شعب بأكمله من الوريد إلى الوريد، ومحوه من على سطح الأرض، فحسب بل يهدف إلى العبث في التاريخ، لمحو أي أثر لهذه الشعب في أرضه، وإستبدالها بأثار ملفقة، لا تمت للحقيقة بصلة، لأثبات وجود الصهاينة التاريخي في أرض فلسطين، وذلك لشرعنة إغتصاب وطن، وتشريد شعب، ومع ذلك مازال شعب فلسطين قادر على البقاء، رغم مطاردة الموت، والمقاومة رغم الحصار، والحلم بغدً أفضل رغم قسوة الواقع.
فبفضل الله عزّ وجل وتمكينه لعباده المرابطين، يقوم أهل غزة وعلى مدار تسعة أشهر بتلقين العدو الصهيوني درساً قاسياً لن ينساه يوماً، حيث تمكنت المقاومة الفلسطينية منذ بداية حرب السابع من أكتوبر الماضي من تكبيد العدو الصهيوني خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، بالإضافة إلى كسر غطرسته، وتعرية حقيقته المخزية أمام الجميع، ومدى ضعفه، وجبنه، رغم كل ما يتحصن به من أسوار عالية، وترسانة مدججة بأخطر الأسلحة، وكشف ما يعانيه الداخل الصهيوني من إنقسامات حادة، ورفض شعبي واسع لسياسة حكومة الكيان المتطرفة، وهذا ما يظهر جلياً في التظاهرات الغاضبة لأهالي الجنود المحتجزين، والمندلعة منذ عدة أشهر، التي تطالب بوقف الحرب على غزة، والقبول بشروط حركة حماس للإفراج عن المحتجزين، وحماية أمنهم الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار، ذلك بعد أن أعلنت المقاومة الفلسطينية عن استراتيجية “المسافة سفر” وأصبح العمق الصهيوني في مرمى صواريخ فرسان المقاومة.
وأخيراً، ومنذ تسعة أشهر وإلى يومنا هذا ولم يكف الكيان الصهيوني عن إرتكاب ابشع الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، حفاظاً على ماء الوجه، ورداً للاعتبار أمام العالم، ولكنه لم يتمكن من ذلك، بل إنه تكبد خسائر فادحة لم يتكبدها منذ حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م، حيث إنه يحارب شعب الجبارين الذي لا يعرف اليأس طريقً له، ولا يوجد في قاموسه مصطلح الإستسلام، شعب إتخذ من إيمانه بحقه التاريخي سيفاً لا يمكن كسره، شعب مصّر على العودة لأرض الأباء والأجداد، شعب حافظاً للعهد المنقوش وشماً على القلوب، والمكتوب بأزكى الدماء على الأرض والحجر وأوراق الشجر، شعب تخلى عنه الجميع ولكنه لم يحزن لإن الله معه.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى