في نفس كل إنسان الخبيث والطيب، فهل هذا حقاً؟ أيوجد في نفس كل إنسانٍ جزء خبيث شرير، يود أن يخفيه ويستره؟ كان هذا الموضوع موضع خلاف وجدال منذ أمدٍ بعيد، ولا يزال حتى الآن، فمنهم من قال إن الإنسان طبع على الخير، وعلى النقيض من ذلك من قال بأن الإنسان طبع على الشر وهذه فطرته.
فقد قال الله عز وجل “وَنَفس وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا” (الشمس: 7-8). وعليه فإن الله بذلك قد أودع في النفس البشرية الفجور والتقوى.
ولو كان في بني الإنسان نفسٌ خالصة الفجور ونفس خالصة التقوى فما كان حاجة الله للإنسان وعنده من النفس خالصة الفجور ما يكفي من الشياطين والأبالسة، وعلى النقيض من ذلك ما يكفي من الملائكة.
وإنما الإنسان حالة وسط بينهما يوجد بداخله الفجور والتقوى، فمن غلب فجوره تقواه فهم العصاة المذنبون، ومن غلبت تقواه فجوره فهم الهداة المهتدون، ومن تساوت عنده القوتان وقع حبيساً لصراع لا يندمل إلى حين.
وهذا ما يسميه فرويد صراع القوى بين الهو والأنا والأنا الأعلى، فيولد الطفل محملا بغرائزه، وأنانيته، ونرجسيته، وحب الامتلاك، فيُحب أن يُلبى طلبه دون قيد أو شرط أو اعتبار لأي قيمة أو أخلاق وهذه المرحلة تسمى مرحلة الهو، ثم تبدأ مرحلة اعتبار الواقع وتهذيب النفس وهي مرحلة تكوين الأنا، ثم بعد ذلك مرحلة تكوين القيم والمبادئ والأخلاق وهي مرحلة الأنا الأعلى أو ما يسمى بالضمير.
فإذا فتّش الإنسانُ أعماقَه، أبصرَ فيها خَبَثاً تُخفيه المظاهرُ ورياءً يكسوه الزيف، كما أبصرَ فيها طُهراً يشعُّ كالنورِ يُطهّرُ القلبَ ويُداوي الروح.
“تلك هي معركة الإنسان الأبدية بين فجوره وتقواه، بين صوت الهوى وصوت الضمير.”