أخبارأخبار الأسبوعأدباخصائي نفسي

أريد..إن أتنفس

أريد.إن أتنفس

بقلم..مروة فؤاد

 

حاول إن تتنفس في ظل ماتلاقيه

 

*فحين يصبح التنفس عبئاً.. وحكاية القلب المجروح*

 

في زحام الأيام التي لا تتوقف، وفي صخب الحياة الذي لا يرحم، يقف الكثيرون عاجزين عن التقاط أنفاسهم. ليس لأن الهواء قد نفد من حولهم، بل لأن أحمال القلوب أصبحت أثقل من أن تحملها الصدور.

 

*الضيق الذي لا يُرى*

 

كم مرة استيقظتَ على شعور غريب بالاختناق؟ كم مرة جلستَ في وسط الناس وشعرت بأنك وحيدٌ تماماً؟ هذا هو حال الكثيرين اليوم – يبتسمون بوجوهٍ هادئة، بينما تعصف بهم عواصفٌ داخلية لا يعرفها إلا الله.

 

الضغط ليس مجرد كلمات نسمعها أو مواقف نمر بها. الضغط هو ذلك الثقل الخفي الذي يستقر في أعماق الصدر، ويجعل كل نفسٍ عميق يبدو وكأنه معركة مع الذات. إنه الشعور بأن العالم كله يتحرك بسرعة جنونية، وأنت واقفٌ مكانك، تحاول فقط أن تبقى على قيد الحياة.

 

*جرح الخذلان الأليم*

 

لكن ما يزيد الألم ضعفاً، هو عندما يأتي الجرح من أقرب الناس. من أولئك الذين ظننتَ أنهم ملاذُك الآمن، وسندُك حين تضعف.

 

الخذلان من الأحبة ليس كأي خذلان آخر. إنه يشبه طعنةً في الظهر تأتي من يدٍ كنتَ تقبلها بكل حب. هو ذلك الشعور المرير حين تكتشف أن الثقة التي بنيتها على مدى سنوات، يمكن أن تنهار في لحظة واحدة بسبب كلمة قاسية، أو موقف بارد، أو صمتٍ طويل لم يكن متوقعاً.

 

شبح الخيانة الذي يطارد الروح

 

والخيانة… يا لهول هذه الكلمة! ليست دائماً خيانة بالمعنى التقليدي. أحياناً تكون الخيانة في الوعود المكسورة، في الغياب وقت الحاجة، في النظرة التي تحمل شكاً بدلاً من ثقة، في الكلمات التي تُقال خلف الظهر بدلاً من المواجهة الشجافة.

 

الخيانة تجعلك تسأل نفسك: “هل أنا لستُ كافياً؟ هل هناك نقصٌ فيّ جعلني مستحقاً لهذا الألم؟” وتبدأ رحلة البحث عن إجابات في مرآة الروح المنكسرة.

 

إحساس النقص الذي يسرق السلام

 

ومن هنا ينشأ إحساس النقص – ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن ترديد: “أنت لست جيداً بما يكفي”. صوتٌ يقتل الثقة بالنفس، ويسرق الراحة النفسية، ويحول كل إنجاز إلى شيءٍ عابر، وكل نجاح إلى مجرد صدفة.

 

الشخص الذي يعاني من هذا الإحساس يعيش في حالة دفاع دائم. يخشى أن يُحب لأنه يعتقد أنه غير مستحق للحب. يخشى أن يثق لأنه تعلم أن الثقة تُكسر. يخشى أن يحلم لأن الواقع علّمه أن الأحلام تُسحق.

 

لكن… لا تزال هناك بصيص أمل

 

رغم كل هذا الألم، ورغم كل هذه الجراح، يبقى الإنسان قادراً على النهوض. ليس لأنه قوي، بل لأنه إنسان. والإنسان مخلوقٌ من صبرٍ وأمل.

 

التنفس مرة أخرى ممكن. ليس بالتنفس الجسدي فقط، بل بالتنفس الروحي – بتعلم كيف نطلق ما يؤلمنا، وكيف نتسامح مع أنفسنا أولاً قبل أن نتسامح مع الآخرين.

 

*رسالة لكل قلبٍ مجروح*

 

إذا كنتَ تقرأ هذه الكلمات وتشعر بأنها تصف حالك، فاعلم أنك لست وحدك. اعلم أن ألمك مشروع، وأن مشاعرك حقيقية، وأن ما تمر به ليس نهاية الطريق.

 

تعلم أن تبكي إذا احتجت للبكاء. تعلم أن تطلب المساعدة إذا شعرت بالضعف. تعلم أن تقول “لا” للأشخاص والمواقف التي تستنزف طاقتك. وتعلم قبل كل شيء، أن تحب نفسك كما أنت – بكل عيوبك ونواقصك وجراحك.

 

فالشفاء لا يأتي من نسيان الألم، بل من فهمه وقبوله. ولا يأتي من الانتقام ممن آذونا، بل من التحرر من قيود الكراهية والحقد.

*في النهاية*

 

الحياة ستظل صعبة أحياناً، والناس سيظلون يخيبون آمالنا أحياناً أخرى. لكننا سنظل قادرين على النهوض، وعلى التنفس، وعلى الحب من جديد.

 

لأن الروح البشرية، رغم هشاشتها الظاهرة، تمتلك قوةً خفية لا تنتهي. قوة تجعلنا نستطيع أن نحول الألم إلى حكمة، والخسارة إلى درس، والجرح إلى قوة.

 

فلا تيأس. فالشمس ستشرق من جديد، حتى بعد أطول الليالي.

 

 

 

*”إن بعد كل ضيقٍ فرجاً، وبعد كل ليلٍ صباحاً”*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى