أخبار عالمية

ضحايا الحرب في غزة

ضحايا الحرب وحلم النصر

كتب ضاحى عمار

الجمعة، 11 أكتوبر 2024

ضحايا الحرب في غزة

في قلب غزة المدمرة، يرفع فلسطيني علامة النصر أمام مبنى تهدم بالكامل، وكأن النصر بات مجرد شعور مؤقت يختبئ وراء أنقاض الحرب. سنة كاملة من الدمار مضت، دون أن يتمكن أهل غزة أو العالم من معرفة الحقيقة كاملة: ما الهدف الحقيقي من هذه الحرب؟ وكيف يفكر صانعو الحدث؟ ومن هي الجهة التي ستُهزم حتى يصبح النصر ممكناً؟

في غزة، يعيش أكثر من مليوني إنسان في دائرة لا تنتهي من التهجير والقهر. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرسم لهم خرائط التشرد على أرضهم، مرة يأمرهم بالانتقال إلى الجنوب، ومرة يعيدهم إلى الشمال، ولكن ليس إلى بيوتهم التي أزيلت من الوجود. هؤلاء الناس لم يكونوا طرفاً في القرار الذي اتخذته حركة “حماس” بشن الحرب. فمنذ أن فرضت الحركة سيطرتها على غزة عام 2007، أصبح أهل القطاع رهائن داخل وطنهم، فلسطينيين بلا وطن، يزجّ بهم في حرب تلو الأخرى دون أن يُستشاروا.

الحرب السابعة التي تشتعل الآن ليست استثناءً؛ مرة أخرى تتحول غزة إلى “مادة إنسانية” على أجندات القوى الدولية، ومرة أخرى يُقتل الناس في حرب لا يفهمون دوافعها الحقيقية. رغم أن إسرائيل تقصف بلا هوادة، وتدمر البيوت فوق ساكنيها، يستمر الخطاب الرسمي للمقاومة في التأكيد أن المعنويات لم تهتز، وأن النصر قريب. هذا التناقض بين الواقع على الأرض والشعارات المرفوعة يظهر حجم العبث الذي تعيشه غزة.

ضحايا الحرب في غزة

حركة حماس، التي تقود هذه الحرب من مكاتبها في الدوحة، لم تتأثر بشيء يُذكر. بل على العكس، زادت المعنويات لدى قادتها، رغم أن الأمين العام للحركة إسماعيل هنية قُتل في إحدى زياراته إلى إيران. وفي الوقت الذي يُطلب فيه من أهل غزة الانتظار لتحقيق وعد النصر السماوي، يعاني الأطفال والنساء والشيوخ من الجوع والمرض والتشرد، وكأن معنوياتهم لا تُقاس في معادلات الحرب.

السخرية هنا تفوق الوصف؛ إذ تبدو العلاقة بين السلطة والعقيدة في أعلى درجاتها انفصالاً عن الواقع. فالتنظيمات العقائدية، مثل حماس، تتعامل مع الشعوب بازدراء متعالٍ، وكأنهم لا يفهمون سوى احتياجاتهم اليومية البسيطة: الطعام والماء والمأوى. أما الكهرباء والتعليم والصحة، فهي رفاهية لا أهمية لها في نظر هؤلاء القادة. الأسوأ أن هذه التنظيمات لا تتوانى عن ترحيل الحلول إلى الحياة الآخرة، حيث يُطلب من الناس الصبر والانتظار في الدنيا على أمل نيل الثواب في الآخرة.

المأساة في غزة تكشف عن وجهها المزدوج؛ ففي حين أن حماس اختطفت 300 إسرائيلي في هجومها في 7 أكتوبر 2023، فإنها في الوقت ذاته اختطفت حياة أكثر من مليوني فلسطيني وحولتهم إلى أوراق مساومة في حروبها. بالنسبة لنتنياهو، كان هذا الوضع فرصة ذهبية. فبإبادة المدنيين في غزة، يوجه رسالة لمواطنيه: “نحن ننتقم لكم.” وبينما يقتل الفلسطينيون في حرب لا يد لهم فيها، تُمنح لهم “فرصة” الشهادة، وكأنها هدية ثمينة يجب أن يشكروا عليها.

لم يعد الفلسطينيون يُطلب منهم أن يشكروا رموز الثقافة الفلسطينية مثل إدوارد سعيد ومحمود درويش وإسماعيل شموط، بل أصبح الشكر موجهًا إلى قادة حماس الذين يقدمون لهم “الشهادة” على طبق من دم. هنا تتجلى الكارثة؛ فقد تم استبدال النضال الثقافي والوطني بنضال مسلح عبثي لا طائل منه سوى مزيد من الخراب.

نتنياهو، من جانبه، لا يختلف كثيراً عن خصومه في طريقة تفكيره. فكما يحتاج قادة حماس إلى إعلان النصر، يحتاج هو إلى استمرار الحرب للحفاظ على معنويات الإسرائيليين. ولكن رغم الخسائر التي تعرضت لها إسرائيل، فإن الكارثة الأكبر تحل على الفلسطينيين. ففقدان الأرواح والمنازل، والأهم من ذلك، تآكل القضية الفلسطينية نفسها، هي خسائر لا تعوّض.

لقد وضعت حماس فلسطين على طاولة نتنياهو، حين منحته الفرصة للقضاء على المدنيين في غزة وتدمير المجتمع الفلسطيني. لم تعد القضية الفلسطينية كما كانت من قبل؛ فالانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني تعمقت، وأصبح حلم الدولة الفلسطينية أكثر بعداً من أي وقت مضى.

ضحايا النصر في غزة يدركون أن انتظارهم لن يفضي إلى شيء سوى كذبة جديدة. من ماتوا ارتاحوا من هذا الانتظار، أما من تبقى على قيد الحياة، فيجدون أنفسهم عالقين في مأساة تمزج بين السخرية والمرارة. في النهاية، النصر الموعود لم يعد سوى وهم آخر، يتكرر كلما اشتعلت الحرب، ليبقى السؤال معلقًا: من هم الفائزون الحقيقيون، إن كان الجميع ضحايا؟

ضحايا الحرب في غزة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى