صاحب الظل المفقود خلف جدار الصمت
قلم/وائل عبد السيد
الفصل الأول: حبر لا يجف
في الطابق العشرين، كان العالم بالخارج يتلاشى خلف ستارة من المطر الرمادي. “ياسين”، الرجل الذي بنى حياته بالمسطرة والفرجار، كان يجلس خلف مكتبه الغارق في الأوراق، محاصراً بطنين التكييف الذي يشبه أنين الأرواح في مبنى فارغ.
دقات خافتة على الباب حطمت هذا الصمت الرتيب. دخل الحارس العجوز، يحمل بين يديه جسماً غريباً ملفوفاً بورق بني خشن، بدا وكأنه خرج للتو من حفرة تحت الأرض. “طرد لك يا هندسة.. لم يترك السائق أثراً، كأنه تبخر.”
بمجرد أن غادر الحارس، شعر ياسين ببرودة تسري في أطرافه. مزق الغلاف لتسقط أمامه قطعتان من أحجية مستحيلة:
مفتاح نحاسي ثقيل الوزن، وتفوح منه رائحة الزمن، ودفتر جلدي أسود، ملمسه يوحي بأنه استهلك الكثير من الحكايات.
فتح الدفتر.. وهنا سقط المنطق.
لم تكن الكلمات مجرد كتابة، كانت “بصمته”. نفس الميلان القلق في الحروف، نفس الطريقة التي يربط بها حرف “السين” بـ “الياء” كأنه يرسم طريقاً هرب منه يوماً ما.
“10 ديسمبر. الرائحة هي أول ما يصفعك عند العودة.. رائحة العفن في السرداب. إذا كنت تقرأ هذا يا ياسين، فاعلم أن “هو” لم ينسَ، وأن الساعة بدأت تدق.”
تصلبت نظرات ياسين على شاشة هاتفه: 10 ديسمبر.
الجنون بدأ يتسلل إلى الغرفة. هو لم يغادر هذا الكرسي منذ شروق الشمس، ولا يذكر في تاريخه المعماري أو الشخصي “سرداباً” واحداً. وبينما كان يحاول التنفس، مات الضوء في المكتب فجأة.
في العتمة المطبقة، لم يعد هناك سوى صوت المطر.. وصوت “خطوات”. خطوات واثقة، سريعة، تقترب في الرواق الخارجي، وكأن صاحبها يحفظ أماكن قطع الأثاث في الظلام أفضل من ياسين نفسه.
ما الذي أضفناه في هذه الصيغة؟
استخدام الرموز: (المسطرة والفرجار) للإشارة إلى شخصية المهندس المنظمة التي ستنهار الآن.الوصف الحسي: رائحة الزمن، ملمس الجلد، برودة الأطراف.
الغموض المضاف: جملة “أن “هو” لم ينسَ” لإضافة بعد جديد من التساؤل حول هوية الطرف الآخر.




