سيدة لغات الأرض
بقلم / محمـــد الدكـــروري
سيدة لغات الأرض
لقد كانت لغة قريش هي العربية، فكانت لغتهم من حيث خصائصها أخصب اللغات، وأوسعها تعبيرا، وأبقاها زمانا، وأشرفها مكانة، ولهذه الأسباب وغيرها نزل القرآن الكريم بلغتهم ولكي يتحدى بلاغتهم، ويكون فارس حلبة ميدانهم المقدس ليتحقق الإعجاز الذي ليس كائنا على حقيقته، إلا في القرآن بكلماته التي أعجزت العرب عن معارضتها وهم فرسان الكلمة، وبنظمه الذي بهرهم وهم عمالقة النظم، وبجُمله التي أعيتهم عن الكلام، وهم أساتذته ليسرعوا إلى الإيمان به حيث عجزوا عن معارضته، ولقد جعله الله عز وجل رحمة وشفاء، ورفع الله تعالى منزلته فوصفه بأجل الصفات، وذكره بأعظم الأسماء ليعلم الناس قدره وعظمته، فله صفات عظيمة يعجز البشر عن حصرها.
فوصفه الله تعالى كتاب عام للعالمين، ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بفضائل كثيرة للقرآن الكريم تعود بالنفع على الإنسان في الدنيا والآخرة، من هذه الفضائل هو الخيرية لأهله، وأن القرآن يشهد لصاحبه يوم القيامة، ويدخل السرور عليه، فعن بريدة عن أبيه رضى الله عنه،قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب،فيقول، أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك” ومعنى الشاحب هو متغير اللون، والجسم العارض، وذلك من سفر، أو مرض، أو نحوهما” وذكر السندي رحمه الله أن القرآن الكريم كأنه يجيء على هذه الهيئة ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، أو للتنبيه له على أنه كما تغير لونه في الدنيا لأجل القيام بالقرآن كذلك القرآن لأجله في السعي يوم القيامة.
حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة، وكذلك فإنه يرفع الله تعالى بالقرآن العاملين به، ويضع من أعرض عنه، فعن نافع بن عبد الحارث أنه لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة، فقال عمر من استعملت على أهل الوادي؟ فقال ابن أبزى قال عمر، ومن ابن أبزى؟ قال مولى من موالينا، قال عمر فاستخلفت عليهم مولى؟ قال إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال ” إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوما ويضع به آخرين” وكان صلى الله عليه وسلم يستعرض السرية من الصحابة فيقول لأحدهم “كم معك من القرآن؟ قال أحدهم أحفظ سورة البقرة، قال اذهب فأنت أميرهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعثا وهم ذو عدد فاستقرأهم فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنا، فقال ما معك يا فلان قال معي كذا وكذا وسورة البقرة، قال أمعك سورة البقرة، فقال نعم قال فاذهب فأنت أميرهم، فقال رجل من أشرافهم والله يا رسول الله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا خشية ألا أقوم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموا القرآن فاقرؤه وأقرئوه فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح بريحه كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب وكئ على مسك” رواه الترمذي، فقرب الناس من الرسول صلى الله عليه وسلم كان بالقرآن، وحبه صلى الله عليه وسلم لهم كان لصلتهم بالقرآن، وكثرة تلاوة الصحابة للقرآن، كانت تقربهم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ونحن كذلك لو واظبنا عليها.



