الأسبوع العربيخاطرةمقالاتمنوعات

سقوط القيم أخطر من سقوط الجدران

سقوط القيم أخطر من سقوط الجدران

بقلم: خالد نعمان مراد

لم تُقَم الحضارات يومًا على الخرسانة وحدها، ولم تحفظ الأمم وجودها بكثرة ما شيدت من طرق وجسور، فالتاريخ لا يذكر الدول التي بالغت في بناء العمران وأهملت بناء الإنسان. ومن هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا في الواقع المصري: هل يكفي أن تتقدم مشروعات التنمية بينما تتراجع منظومة القيم؟

إن ما تشهده الدولة من طفرة كبيرة في البنية الأساسية يمثل إنجازًا لا يُنكر، لكنه يظل منقوص المعنى ما لم يصاحبه مشروع وطني موازٍ يعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية، فالدولة القوية لا تُقاس باتساع عمرانها، بل بصلابة وعي مواطنيها وانضباط سلوكهم.

لقد تميز المجتمع المصري عبر تاريخه بقيم أصيلة شكّلت هويته؛ كالشهامة، والنخوة، واحترام الكبير، والصدق في المعاملة، غير أن هذه القيم شهدت تراجعًا حادًا في السنوات الأخيرة، حتى باتت لغة الذوق العام غريبة على شوارعنا، وتقلص حضور الاحترام في تعاملاتنا اليومية، وحل محله خطاب خشن وسلوك متعجل لا يعبر عن عمق الشخصية المصرية.

هذا التراجع لم يأتِ مصادفة، بل كان نتيجة خلل واضح في أدوار مؤسسات التنشئة، حيث انحسر تأثير الأسرة، وتراجع الدور التربوي للمدرسة، وابتعد الإعلام عن رسالته القيمية، فخلا المشهد لوسائل التواصل الاجتماعي لتتصدر تشكيل الوعي الجمعي بلا ضوابط أخلاقية أو مرجعية ثقافية، فأعادت تعريف المفاهيم، وخلطت بين الحرية والانفلات، وبين الجرأة والتجاوز.

ولم تقف تداعيات هذا الخلل عند حدود السلوك الفردي، بل امتدت إلى صميم المجتمع، فارتفعت معدلات الطلاق، وتفككت أسر تأسست على صور رقمية زائفة وانطباعات افتراضية خادعة، لتصطدم بعد الزواج بواقع يفتقر إلى أبسط مقومات الاستمرار، وهو ما يكشف الفجوة الخطيرة بين ما يُعرض على الشاشات وما يعيشه الناس في الحقيقة.
إن ما يظهره الأفراد عبر الفضاء الإلكتروني لا يمثل بالضرورة انعكاسًا صادقًا لأخلاقهم أو وعيهم، وهو ما يؤكد أن الأزمة في جوهرها ليست أزمة تكنولوجيا، بل أزمة قيم، وأخطر ما فيها أنها تهدد الهوية وتضرب استقرار المجتمع من جذوره.

من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق مشروع وطني شامل لإعادة بناء منظومة القيم، تشارك فيه مؤسسات الدولة والمجتمع معًا، عبر صياغة «منظومة سلوك مجتمعي» تكون بمثابة بوصلة أخلاقية تضبط السلوك العام، وتعيد الاعتبار لقيم الصدق والاحترام والمسؤولية.

فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بما ننجزه من عمران فقط، بل بما نزرعه من وعي، لأن سقوط القيم أخطر من سقوط الجدران، وضياع البوصلة الأخلاقية هو أقصر الطرق لانهيار المجتمعات مهما امتلكت من إمكانات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى