
حين تستنير الروح
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
إنَّ أعظم المآسي التي قد يغرق فيها المرء خلال رحلته في هذا الوجود ليست في إخفاقٍ عابر، ولا في خسارةِ ماديةٍ زائلة، بل تكمن في تلك اللحظة التي يجهل فيها الإنسان مكنونات نفسه، ويغفل عن القيمة السامية والعظمة الكامنة التي أودعها الخالق في ثنايا روحه. إنّ الذات البشرية أشبه بكنزٍ مفقود في أعماق المحيط؛ إن لم يدرك صاحبها بريق جمانها، فسيظل يعتقد أنه خاوٍ من كل فضل، بائسٌ من كل ميزة.
عندما يعي الإنسان قدر نفسه، ويدرك يقيناً أنه يحمل في داخله عظمةً لا تُحد، وقوةً لا تُقهر، فإنه يبني حول نفسه سياجاً منيعاً من العزة والأنفة. هذا الوعي ليس مجرد كبرياء زائف، بل هو السكينة الداخلية التي تجعل صخب الآخرين واستهزاءهم مجرد ريحٍ عابرة لا تهزّ الجبال الراسية. إنَّ إدراكك لعظمتك هو “المعيار” الذي تزن به كلمات البشر؛ فإذا كان معيارك داخلياً ونابعاً من معرفةٍ حقيقية بجوهرك، فلن تجد لسموم التقليل من الشأن سبيلاً إلى قلبك.
كثيراً ما يحاول المحيطون بنا، بوعيٍ أو بدون وعي، أن يلقوا بظلال شكوكهم على مرآة نفوسنا. يحاولون إقناعنا بأننا “أقل”، أو أن قدراتنا “محدودة”. ولكن، هل يمكن للظلام أن يطفئ شمعةً تدرك أنها مصدر الضوء؟ إنَّ شعورك بالدونية لا يأتي أبداً من كلمات الآخرين، بل من موافقتك الضمنية على صدق ما يقولون.
”لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تجعلك تشعر بالنقص دون موافقتك، فالسيادة على مشاعرك هي ملكك وحدك، ومفتاح تقديرك لذاتك لا يجب أن يُسلم لأي عابر سبيل.”
إن العظمة التي تسكنك ليست بالضرورة شهرةً مدوية أو جاهاً عريضاً، بل هي تلك القدرة على الصمود، والتمسك بالقيم وسط عالمٍ مضطرب، والإيمان بأنك كيانٌ فريد لم يُخلق عبثاً. عندما تشرق شمسُ إدراكك في سماء وعيك، ستكتشف أن كل محاولات الانتقاص منك كانت مجرد أوهام تبحث عن مأوى في ضعف انتمائك لذاتك.
حينها، ستنظر إلى العالم بعينِ الواثق، ليس احتقاراً للآخرين، بل إجلالاً للنفس التي بين جنبيك. ستدرك أن قيمتك ثابتة، مطلقة، لا تزيد بمدحِ المادحين، ولا تنقص بقدحِ القادحين. أنت العظيمُ بما أُعطيت، وأنت السامي بما أدركت، وما دام نور اليقين يملأ جوانحك، فسيظل كل من يحاول جعلك “أقل” يطارد سراباً لا يطال منه شيئاً.





