أدب وشعر

المشي إلى الضعفاء

بقلم / محمـــد الدكـــروري

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه سبحانه وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، أما بعد إن المشي إلى الضعفاء، والمشي إلى البؤساء له لذة يعرفها من يعرفها، وإن المشي إلى المحرومين البائسين له رحمة يجدها من وجدها، فهؤلاء الأئمة الأخيار الصفوة الأبرار، عرفوا مقدار المعاملة مع الله، فاختاروا لنهارهم العلم والعمل، واختاروا لليلهم جبر القلوب المكسورة، وإدخال السرور عليها، فلما أرادوا أن يغسلوه رحمه الله، خلعوا ثيابه، فوجدوا ظهره متشحطا من كثرة ما حمل عليه من الطعام، فرحمه الله رحمة واسعة، وكان صلى الله عليه وسلم، يحب أصحابه ويبدأهم بالسلام ويكنيهم ويدعوهم بأحب الأسماء إليهم.

مقالات ذات صلة

بل كان يقف لخدمتهم ويجهد نفسه لراحتهم، ويقول أنس بن مالك رضى الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسقي أصحابه، فقالوا، يا رسول الله، لو شربت؟ قال “ساقي القوم آخرهم شربا” وكان من رحمة النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أخطاء الغير، يحكي خوّات بن جُبير عن نفسه، فيقول‏‏ نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران‏، قال‏‏ فخرجت من خبائي، فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني، فرجعت فاستخرجت حلة فلبستها، وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبة، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هبته واختلطت، وقلت‏‏ يا رسول الله، جمل لي شرد، فأنا أبتغي له قيدا‏،‏ ومضى فاتبعته، فألقى إليّ رداءه، ودخل الأراك فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل على صدره من لحيته‏.‏

فقال‏ صلى الله عليه وسلم “أبا عبدالله، ما فعل ذلك الجمل‏‏؟ ” وارتحلنا، فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال‏ ” السلام عليك أبا عبدالله، ما فعل شراد ذلك الجمل‏‏‏؟ “‏ فلما طال ذلك عليّ أتيت المسجد، فقمت أصلي، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حجره‏،‏ فجاء فصلى ركعتين، فطولت رجاء أن يذهب ويدعني،‏ فقال‏ ” أبا عبدالله، طوّل ما شئت أن تطوّل، فلست بمنصرف حتى تنصرف‏”‏‏ فقلت في نفسي‏ والله لأعتذرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبرئن صدره‏،‏ فلما انصرفت، قال‏ “السلام عليك أبا عبدالله، ما فعل شراد ذلك الجمل‏‏‏؟ ” قلت‏ والذي بعثك بالحق، ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال‏ “يرحمك الله” ثلاثا، ثم لم يعد لشيء مما كان، ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم، من صفاء معدنه، وإشراقة نفسه، كان يحب الجمال، ويكره القبح.

وتهفو نفسه إلى المعاني الرائعة، وتنفر من معاني الشدة والغلظة، حتى أنه غير أسماء أصحابه التي فيها جفوة أوقسوة وبدلها إلى ما فيه رقة وعذوبة، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه غير اسم عاصية وقال ” أنت جميلة” وغير اسم أصرم قال له أنت ” زرعة” وغير اسم حزن، وجعله سهلا، وغير اسم العاص، وعزير، وشيطان، وغراب، إلى هشام، وسمى حربا “سلما” وأرض عفرة، سماها “خضرة” وشعب الضلالة، سماها “شعب الهدى” وبنو الزينة، سماهم “بنو الرشدة” وبني معاوية سماهم “بني الرشيدة” وكان النبى صلى الله عليه وسلم، إذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم، فدعا لعبد الله بن بسر فقال صلى الله عليه وسلم “اللهم بارك لهم في ما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم ” وقد سقاه رجل لبنا فقال صلى الله عليه وسلم ” اللهم أمتعه بشبابه فمرت به ثمانون سنة لم ير شعرة بيضاء”

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى