
كتبت / نعمة حسن
تحقيق شامل بمعارف الغيب
بحث علمي يجمع بين الغموض واليقين، بين الرمزية والإعجاز،
يا للدهشة حينما يهمس الزمن بخفاياه في جلدٍ يُنسب إلى الإمام علي (عليه السلام)، ويُدّعى أنه يحمل أسرار الماضِي والمستقبل. هذا هو كتاب الجفر — ذلك الكنز الغيبي المبهَم، الذي امتلأت به الأساطير والروايات، وتشابكت حوله التأويلات بين مديحٍ واسعٍ ورفضٍ علميٍّ قاطع.
أنا نعمة، أدعوكم اليوم إلى رحلة فريدة في أعماق هذا الكتاب الغامض، لنكشف عن جذوره، ونسبر أغواره، ونفك شفرة مزاعمه، بأسلوب علمي دقيق وقوة براهين تُذهل الذهن وتحدد لنا الطريق الصحيح في عدة نقاط على هذا النحو .
اولاً :
ما هو الجَفْر؟
حسب المعتقد الشيعي، الجفر هو كتاب من علوم أهل البيت (عليهم السلام)، يضم المعرفة السرّية لكشف الغيب ومستقبل الأمة.
يُروَج أن أجزاءً منه كُتبت على جلد ثور أو جلد شاة، لذا سمّي “جفر” (الجلد الصغير)
بعض الروايات تقول إن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أوصى به إلى علي ليحتفظ به وراثته للأئمة اللاحقين.
بالرغم من هذه الروايات، ليس هناك سند موثوق ثابت يُثبت أن عليًا أو جعفر الصادق (عليهما السلام) قد تركوا كتابًا بهذا الاسم مضمونًا وموثوقًا علمياً.
ثانياً :
المصادر والمنسوبين
ينسب الجفر في الروايات إلى ثلاثة أشخاص رئيسيين: علي بن أبي طالب، جعفر الصادق، أو أحياناً إلى “أبو العزائم” الذي يدعي امتلاك نسخة مطبوعة في القاهرة.
غير أن غالب العلماء وعلماء الحديث والنقد يرونه ادعاء باطلاً، ويصنفونه ضمن الزوَر والافتراءات التي لا سند لها في الأصول.
على سبيل المثال، موقع إسلام ويب يوضّح:
“كتاب الجفر هو من ضلالات وافتراءات بعض الفرق الباطنة الذين ينسبونه لعلي بن أبي طالب أو جعفر الصادق … وكل ما يُذكر من أنه اختص بعلم الغيب من هذا النوع هو كذب وافتراء.”
وفي “الإسلام سؤال وجواب” يُقال صراحة:
“كتاب الجفر كتاب زور وبهتان
… ينسبه الشيعة الرافضة الكذبة تارة لعلي … وتارة لجعفر الصادق … لا يعرف مؤلف هذا الكتاب إن كان له وجود أصلاً.”
ثالثا :
ما ورد في الروايات — ونقده
ما ورد من ادعاءات ومضامين
يُزعم أن الجفر يحتوي على علم الأحداث الماضية والمستقبلية، أسماء ملوك، فتن نهاية الزمان، الترتيب الزمني للدول، وحتى أسماء الحروب الكبرى.
في مخطوط محفوظ في المكتبة البريطانية، يُوجد جزء يُسمّى “الجزء الأول من كتاب الجفر” فيه فقرات عن شرح الشهور، البروج، المنازل القمرية، مع إشارات إلى مناسبات دينية وتنبّؤات.
في كتاب “الجفر الأعظم” توجد فقرات تنبؤية مثيرة تتحدّث عن عهود الفتن والابتلاءات في دول متعددة، وأسماء مدن تُذكر بلفظ “نيو ــ” في رؤى مستقبلية.
موضوعياً .
١. غياب السند المقبول
لا توجد سلاسل رواية موثوقة في علم الحوادث تُساند أن عليًا أو جعفرًا تركا نصاً ثابتًا يُعتدّ به، مما يضع أي ادعاء تحت الشك.
٢. انتهاك مبادئ العقيدة الإسلامية
وفق علماء أهل السنة، لا يُعقل أن يُضاف إلى الوحي أو يُفضّل على القرآن ما يُدّعى علم غيب مفصّل.
وإسلام ويب يعتبر مثل هذه الادعاءات من “الضلالات والافتراءات”.
٣. مطابقة جزئية مع الأحداث بعد تلاعب أو تأويل
بعض الذي يُقدَّم من “نصوص الجفر” يُرى أنه جاءت بعد وقوع الأحداث، ثم تم توجيهها الى النصوص على أنها تنبؤات. هذا نوع من التحوير التأويلي أو الترجمة الرجعية.
٤. اختلاط الرمزية بالواقع
كثير من النصوص التي تُنسب إلى الجفر تحتوي رموزًا وألغازًا (كالأرقام، البروج، أسماء مشفّرة) بحيث يمكن أن تُفسَّر بعد وقوع الأحداث لتبدو “تحقيقًا”.
رابعاً: لماذا يستمر الجفر في تداول العقول؟
الغموض يجذب: الإنسان مولع بما لا يُفهم بسهولة.
الحاجة للمعجزات :
في الأزمنة العصيبة، يبحث الناس عن دلائل خارقة تزيل الإحباط أو تهيّئ للرجاء.
التكييف التأويلي:
أي نص غامض يمكن تفسيره بعد وقوع الحدث ليدّعي أنه “نبوة محققة”.
الترويج والدعاية: البعض ينشر نصوصًا مشوَّهة باسم الجفر لتحقيق النفوذ أو الهالة الروحانية.
خامساً: خلاصة بفهم علمي ونقدي
لا يمكن الجزم أن كتاب الجفر كما يُروَّج له موجود نصّياً موثوقًا.
بل ان معظم الأدلة التي تُقدم كمحتوى للجفر إما تأويلات لاحقة، أو نصوص مجهولة السند، أو اقتباسات مشوَّشة.
اما من المنظور العقائدي السني، يُنظر إليه كادعاء لا أساس له، ويُستحسن الالتزام بالمصادر الثابتة والعلمية وعدم الانسياق وراء ما لا دليل عليه.
مع ذلك، إن أردنا دراسة الجفر كظاهرة ثقافية، فهو موضوع غني للتاريخ، الأدب، التصوّف، علم الرموز، وموسيقى المخيلة البشرية.
سادساً: النبوءات المشفّرة في “كتاب الجفر” — بين الإعجاز والوهم
يُروَّج أن الجفر يحتوي على نصوص رمزية تتنبأ بمصائر الأمم، منها ما يُفسّر أنه تحقق عبر التاريخ، كأحداث تخصّ جمال عبد الناصر وأنور السادات وحروب العرب وإسرائيل، وأخرى يُقال إنها تنبأت بظهور قوى عالمية وتحوّلات جيوسياسية.
_ أمثلة من النصوص المنسوبة للجفر:
١. نبوءة عبد الناصر
_ “يخرج من أرض الكنانة أسدٌ يزمجر، يُعيد لها مجدها، فيُكسر ثم يعود، ويُبكى عليه في يومٍ حارٍّ شديدٍ…”
_ يُقال إنها تشير إلى جمال عبد الناصر الذي صعد بالكرامة العربية، ثم كُسر بنكسة 1967، وتُوفّي في سبتمبر الحار عام 1970، وسط بكاء الأمة.
٢. نبوءة السادات
_ “ثم يلي الأسد رجل من النيل، يمدّ يده للعدو فيُقتل غدرًا في فرحة عيد…”
_ يُفسّرها البعض بأنها أنور السادات، الذي وقّع اتفاقية السلام، واغتيل في يوم عيد النصر (6 أكتوبر 1981).
٣. نبوءة الكيان الصهيوني
_ “ويقوم بني صهيون بدولةٍ تُقيم الطغيان في الأرض، ويجمعون شتاتهم من كل فجٍّ عميقٍ، وتكون نهايتهم نارًا تأتيهم من فوقهم ومن تحتهم…”
_ تفسّرها بعض الدراسات على أنها تشير لقيام إسرائيل ودمارها المستقبلي بالنيران.
_ نبوءة الغرب
“تشرق الشمس من مغربها، وتُبدّل الأمم أعلامها، وتقوم دولة الحديد، فيُعجب بها الناس، وتغيب الحقيقة خلف الشاشات.”
_ فيها رمزية لعصر التكنولوجيا والدول الصناعية الكبرى (أمريكا والغرب)، وغلبة الإعلام.
_ حقيقة الواقع والخلاصة
لا توجد مخطوطات أصلية موثقة لهذه النصوص، وغالب ما نُشر مأخوذ من روايات متأخرة أو نسخ مطبوعة بلا سند. لذا وجب التنبيه على أن صحتها التاريخية غير مثبتة، لكن دراستها تعطي تصورًا لمدى قوة الخيال الرمزي عند القدماء.
سابعاً:
التحليل العلمي واللغوي للنصوص
١. الرمزية اللغوية
الألفاظ المستخدمة مثل “الأسد”، “النار”، “النيل”، “الشمس”، تدل على استعارات كونية ومكانية شائعة في الأدب الصوفي.
النصوص تُصاغ ببلاغة مفتوحة تسمح بتأويلات متعدّدة، ما يُسهل إسقاطها على أي حدث بعد وقوعه.
٢. التحليل العددي (الرقمي)
بعض الباحثين في علم الجفر يستخدمون حساب الجُمّل (القيمة العددية للحروف العربية) لاستنتاج تواريخ وأسماء.
مثلاً كلمة “الأسد” = 65، تُربط بسنة 1965 التي شهدت ذروة صراع عبد الناصر، أو غيرها من تواريخ رمزية.
لكن لا توجد قاعدة علمية مثبتة تربط بين الأرقام والأحداث بدقة.
٣. التحليل العقائدي
الإسلام يحذّر من ادعاء علم الغيب إلا بما أذن الله به لنبيه.
لذا فكل ما في الجفر يجب أن يُعامل على أنه تأملات رمزية لا حقائق غيبية.
ثامناً :
الجفر في ضوء الإعجاز العلمي
رغم الشكوك، فإن ظاهرة الجفر تفتح أبوابًا لدراسة العلاقة بين:
اللغة والرمز
الوعي الجمعي الإنساني والتنبؤات
كيف يبني الإنسان رؤيته للمستقبل
فهنا يُمكن ربط الجفر بعلم النفس التحليلي (يونغ) ومفهوم اللاوعي الجمعي، حيث تُعبّر الرموز عن رغبة البشرية في فهم القدر والمصير.
تاسعاً : مقارنة الجفر بكتب مشابهة
الكتابالأصلالمضمونالوضع العلمي
الجفر منسوب للإمام علينبوءات مستقبلية ورموزلا سند ثابت
نوستراداموس أوروبا رباعيات رمزية عن المستقبلتأويلات لاحقة
مخطوطات البحر الميتيهوديةرؤى آخر الزمانمكتشفة ومحققة علميًا
الزبور والمزاميرسماويحكم وأمثال وتنبؤاتموثقة دينيًا
عاشراً:
الخلاصة المُلهمة
إن كتاب الجفر، سواء وُجد حقًا أو كان أسطورة من نسج الخيال، يظلّ رمزًا لعطش الإنسان لمعرفة الغيب، وسعيه لفهم حكمة القدر.
هو مرآة لعصرٍ حلم بالمعرفة المطلقة، وتاه بين الرمز والعقل، بين الغيب والواقع.
وما بين علمٍ يثبت ونصوصٍ تُروى، تبقى الحقيقة الأسمى هي ما قاله الله تعالى:
_ {قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: ٦٥].
وهذا ما اثق فيه لا جدال بعده كتاب الله وسنة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم .
واتمنى منه سبحانه وتعالى أن أكون اصبت في عملي هذا اتقاء الشبهات وازحت الستار عن حقيقة اي لغط .. هذا وعلى الله قصد السبيل .





