
العيد بين الحاضر والماضي
بقلم:ساره صحبي
فرحة العيد بين الماضي والحاضر: هل تغير الجوهر أم تبدلت المظاهر؟
تحل علينا المناسبات الدينية والاجتماعية كل عام، وتحمل معها طقوساً متوارثة تشكل جزءاً من هويتنا وذاكرتنا؛ كالذهاب إلى الأسواق، شراء الملابس الجديدة، وإعداد أشهى الأطعمة والحلويات. لكن مع تسارع نمط الحياة وظهور التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، يطرح السؤال نفسه: **هل لا زالت عادات العيد كما هي، أم أن التكنولوجيا أعادت تشكيل مفهومنا للفرحة؟*
العيد لمة.. بين الأمس واليوم
كثيراً ما نردد عبارة *”العيد لم يعد كالسابق، فقد رونقه وطعمه”*، وكأن الإحساس به قد تلاشى. في الواقع، لا يزال الناس يستيقظون في صباح العيد الباكر، تملأ قلوبهم التكبيرات، ويذهبون إلى المساجد بملابسهم الجديدة، ثم يعودون لزيارة الأقارب والأرحام تجسيداً لمقولة العيد لمة”
ومع ذلك، يشتكي البعض من أن العيد ينتهي سريعاً؛ فبمجرد الانتهاء من الزيارات الصباحية، يصبح اليوم عادياً جداً، ويلجأ معظم الناس إلى النوم أو الانعزال خلف شاشات الهواتف. هذا التحول لم يفقد العيد قيمته، بل جعل تفاعلاتنا أكثر سرعة وأقل عمقاً مقارنة بالماضي، حيث كانت الاحتفالات والمجالس المفتوحة تستمر لأيام طوال.
عادة شراء ملابس العيد: بين التلاشي والواقع الرقمي
تساءل الكثيرون: *هل بدأت عادة شراء ملابس العيد بالتلاشي؟*
نسمع في فضاء “السوشيال ميديا” نبرة محبطة تتحدث عن اختفاء هذه العادات، لكن الواقع على الأرض يقول عكس ذلك تماماً:
*زحام الأسواق حقيقة لا تنكر:* بمجرد أن تنزل إلى الأسواق في أواخر شهر رمضان او عند قرب عيد الاضحى ، تجد الازدحام شديداً لدرجة لا تُطاق، مما يثبت أن الطقس لا يزال حياً ونابضاً.
*حديث السوشيال ميديا:أحياناً تبث منصات التواصل طاقة سلبية ومقارنات مستمرة توهم الناس بأن الفرحة قد انتهت، وهو ما قد يؤثر نفسياً على البعض ويزهد المستمع عن بهجة العيد.
*التسوق الإلكتروني:* العادة لم تتلاشَ، بل تغيرت وسيلتها. الكثير من العائلات باتت تفضل الشراء عبر الإنترنت “أونلاين” هرباً من الازدحام ،والبعض يفضل التسوق قبل العيد بمدة طويلة تجنبا للازدحام وارتفاع الاسعار لانه الاسعار في المناسبات ترتفع مقارنة بالايام العادية،. هذا جعل البعض يظن أن الناس توقفوا عن الشراء.
العيد بين الماضي والحاضر: هل تبدلت المظاهر أم تلاشت المشاعر؟
هل لا زالت عادات العيد كما هي، أم أن التكنولوجيا أعادت تشكيل مفهومنا للفرحة وسرقت منا بهجة اللمة؟
التهاني.. من حرارة الصوت إلى “نسخ ولصق” الوتساب
لو نظرنا إلى طريقة التواصل بين الماضي والحاضر، لوجدنا اختلافاً جذرياً يمس القلوب. في الماضي، كانت التهاني بالعيد طقساً دافئاً؛ فتجد الخطوط الهاتفية مشغولة بالكامل، والجميع يتسابق للاتصال وسماع أصوات الأحبة، أو إرسال الرسائل البريدية وبطاقات المعايدة المكتوبة بخط اليد التي تحمل مشاعر صادقة.
أما اليوم، في زمن الحاضر، تحولت التهاني إلى رسائل “واتساب” جماعية، يتم إرسالها بضغطة زر واحدة لمئات الأشخاص في نفس اللحظة. غالبية هذه الرسائل أصبحت “نسخاً ولصقاً” مكرراً، خالية من المشاعر الإنسانية الحقيقية، والبعض يرسلها كإسقاط واجب لا أكثر، مما أفقد التهنئة قيمتها المعنوية التي كنا ننتظرها بشوق.
شراء ملابس العيد.. طقس بهيج أم عادة تجاوزها الزمن؟
حتى طقوس التسوق تغيرت ملامحها؛ فقد كان شراء ملابس العيد يمثل رحلة جماعية ممتعة لجميع أفراد الأسرة، ننتظرها من العام للعام، ونشعر بقيمة الثوب الجديد ليلة العيد وكأنه كنز. أما الآن، فقد تبدل هذا الاهتمام، وأصبح الكثير من الناس ينظرون إلى هذا الأمر بزهد أو برود.
ويتجلى هذا التحول في مواقف نعيشها يومياً؛ فعندما تتحدث ببراءة وعفوية عن حبك لشراء ملابس العيد واستعدادك لها، قد تفاجأ بردة فعل مستغربة أو ضحكة ساخرة من البعض، كما يحدث في مجالس العمل أو الصداقة حين تقول إحداهن: *”العيد؟! أنا أشتري طوال العام ولم أعد أهتم لهذا الأمر!”*. لقد تحول الاستهلاك اليومي المستمر إلى سبب أفقد العيد خصوصيته، وجعل الملابس الجديدة طقساً عادياً لا يثير بهجة الأطفال أو الكبار كما كان في السابق.
التجمعات العائلية.. من متعة الأنشطة إلى أسر الشاشات
التبدل الأكبر والأكثر وضوحاً يظهر في “لمة العيد”. في السابق، كانت التجمعات العائلية نابضة بالحياة؛ حيث يجتمع أفراد الأسرة مع الأقارب الممتدين لساعات طويلة، يتشاركون الأحاديث الدافئة، ويخططون للخروج والتنزه. كانت هناك أنشطة تفاعلية تجمع الصغير والكبير، مثل الخروج لرحلات الصيد، أو التجمع للعب “الكوتشينة” وألعاب الذكاء الشعبية، أو حتى المشاركة الجماعية في الطبخ وإعداد الولائم في جو مليء بالضحك والحكايات.
أما اليوم، فللأسف تحولت التجمعات العائلية في كثير من البيوت إلى مجرد تواجد أجساد في مكان واحد، بينما العقول مغيبة؛ حيث يجلس الجميع متجاورين، لكن أعينهم شاخصة في شاشات هواتفهم الذكية، يتصفحون حياة الآخرين على السوشيال ميديا، بدلاً من عيش اللحظة مع عائلاتهم الحقيقية.
لا يمكننا إلقاء اللوم بالكامل على الزمن أو التكنولوجيا، فالعيد يبقى هو العيد، وفرحته هي شعيرة دينية ونعمة ربانية شرعها الله سبحانه وتعالى لنستشعرها بقلوبنا أولاً. إن التغير الذي حدث في المظاهر -من رسائل باردة أو تلاشي عادة شراء الملابس أو الانشغال بالهواتف- هو خيار بشري نصنعه بأيدينا.
نحن من نملك القدرة على إعادة الروح لـ “لمة العيد”، وذلك بأن نغلق شاشاتنا مؤقتاً، ونفتح قلوبنا لمن حولنا، ونستمتع بتفاصيل الفرح البسيطة. فالعيد ليس مجرد يوم في التقويم، بل هو فرصة لتجديد الحب، وتصفية النفوس، وصناعة ذكريات دافئة للأجيال القادمة، حتى لا يقرؤوا عن “بهجة العيد” في الكتب، بل يعيشوها واقعاً جميلاً كما عشناها نحن يوماً ما.





