
مستقبلك يبدا قبل الجامعة
بقلم:سارة صحبي
يميل الكثير من الطلاب إلى تأجيل نجاحهم الحقيقي والفعلي إلى ما بعد التخرج من المدرسة، معتبرين أن هذه المرحلة بأكملها مجرد محطة عبور روتينية، أو “فرض” يومي ثقيل يشبه وجبتي الغذاء والعشاء؛ أمرٌ إجباري نفعله لمجرد نيل بطاقة العبور (تعلم القراءة والكتابة والعمليات الحسابية البسيطة)، دون وعي حقيقي بقيمة المستقبل، أو إدراك للكلمة السحرية التي تصنع الفارق بين إنسان وآخر وهي: “التخطيط المبكر”.
من دفاتر الذاكرة:تجربة شخصية
لم يشرح لي أحد في صغري بشكل واعي وفلسفي لماذا نذهب إلى المدرسة؛ دخلتها بعمر الثامنة متأخرة قليلاً بسبب خوف عائلتي المبالغ فيه عليّ وحرصهم الزائد. مرت السنوات سريعا، حتى تخرجت من مرحلة الثانوية العامة بمعدل 67%. في تلك الفترة، وبسبب سذاجة الطفولة والمراهقة وغياب التوجيه، كنت أظن أن الحياة شديدة البساطة، وأن أبواب الجامعات المرموقة وتخصصات الأحلام تنتظرني بكل ترحاب وود لمجرد أنني تحملت عناء التخرج!
لكن الصدمة بالواقع كانت مختلفة تماماً. عشت لسنوات طويلة بعدها في حالة قاسية من التخبط والتشتت؛ لا أعرف ماذا أريد، ولا كيف أوازن بين شغفي الدفين وبين متطلبات سوق العمل القاسية والمتغيرة. مرت عشر سنوات كاملة وسط هذا الضياع والتشتت الروتيني. وعلى الرغم من أنني لم أستسلم تماماً، وحاولت تطوير نفسي باستمرار عبر أخذ دورات تدريبية وتأهيلية في مجالات مختلفة، إلا أن غياب الشهادة الجامعية كان يلاحقني كشبح خفي، ويفرز في داخلي شعوراً خانقاً بالنقص وانعدام الأمان والثقة بالنفس.
وصل هذا الشعور ذروته المؤلمة حين وجهت لي زميلة يوماً كلمات قاسية كالسهم المسموم قائلة: “لن يقدركِ المجتمع ولن تلتفت إليكِ الوظائف المرموقة لأنه ليس لديكِ شهادة جامعية”*. تسببت كلماتها بغصة حادة وألم كبيرين استوطنا قلبي لأيام، وللوهلة الأولى، وبسبب انكساري الداخلي، شعرت أن كلامها يلامس الحقيقة؛ فالشعور بالنقص كان قد تملكني بالفعل. لكن تلك “الغصة” لم تكسرني، بل كانت الشرارة البديلة التي دفعتني لامتلاك الشجاعة والتحدي؛ فقررت وتجرأت وبدأت خطوة التعليم الجامعي عام 2024 لأكسر هذا القيد وإلى الأبد.
الحقيقة التي لا يخبرك بها أحد في المدرسة
اليوم، ومن واقع تجربتي الحية، وتخبطي لسنوات طويلة دفع ثمنها عمري وسلامي النفسي، أكتب بكل أمانة ومسؤولية لكل طالب وطالبة ما زالوا يجلسون على مقاعد الدراسة: **النجاح لا يبدأ بـ “قبعة التخرج الجامعية” ولا برداء التخرج الفخم، بل يُصنع حجر أساسه الآن، في هذه اللحظة، وأنت تستمع لمعلمك داخل الفصل الدراسي.
تأجيل الاجتهاد وبناء الذات إلى مرحلة الجامعة هو أكبر وهم وخديعة يقع فيها الطلاب، وذلك لأسباب جوهرية تفرزها معادلات الواقع وسوق العمل:
1. المنح الدراسية والفرص الذهبية لا تنتظر المتأخرين
الجامعات العالمية المرموقة، والمؤسسات المانحة، والبرامج الدولية التي تقدم تعليماً مجانياً فخماً، لا تبحث عن طالب استيقظ فجأة بعد سن الثامنة عشرة وقرر بسحر ساحر أن يكون متفوقاً. إنهم يبحثون في دفاترك القديمة؛ في سجلك المدرسي، ومعدلك التراكمي، وإنجازاتك ونشاطاتك في سن الـ 18والـ 20. الطالب المجتهد والمتميز في مدرسته يفتح لنفسه مبكراً أبواباً لتمويل كامل، وتبادل ثقافي دولي، ودراسة في أرقى جامعات العالم دون أن يتكبد هو أو تعاني عائلته من أعباء مادية قد تقف حائلاً بينه وبين حلمه.
2. المدرسة هي معمل بناء “العقلية والانضباط الذاتي”
المدرسة في جوهرها ليست مجرد حشو لمعلومات وتواريخ ونظريات قد ننساها بعد الامتحان، بل هي المكان والمختبر الحقيقي الذي يتعلم فيه الإنسان “كيف يتعلم”. الطالب الذي يعتاد على إهمال دروسه، والهروب من مسؤولياته، وتأجيل واجباته في المدرسة، سيجد نفسه مصدوماً ومجتثاً أمام ضغط المحاضرات الجامعية ومتطلبات المشاريع وسوق العمل لاحقاً. الانضباط، إدارة الوقت الصارمة، والقدرة على مواجهة ضغوط المذاكرة هي “عضلات نفسية وفكرية” إن لم تُبنَ وتُقوَّى على مقاعد المدرسة، فلن تخلق في الجامعة.
3. ذكاء العلاقات والمهارات الناعمة (Soft Skills)
المستقبل المهني اليوم لم يعد يعترف بالشهادات الجافة فقط، بل يبحث عن “الإنسان المتكامل”. مقعد المدرسة هو الميدان الأول لبناء ما يُسمى برأس المال الاجتماعي والمهارات الناعمة. من خلال الأنشطة المدرسية، الإذاعة، جماعات الصحافة، تنظيم الفعاليات، وحتى المجموعات الدراسية، يتعلم الطالب كيف يتواصل بذكاء، كيف يقود فريقاً، كيف يقنع الآخرين برأيه، وكيف يتجاوز الخلافات. الطالب الذي يكتفي بدوره كمشاهد صامت في المدرسة، يدخل الجامعة وهو يفتقر لأبجديات الذكاء الاجتماعي، مما يجعله عاجزاً عن تسويق مهاراته أو بناء شبكة علاقات تدعمه في مستقبله المهني.
4. بناء الثقة وحماية الشخصية قبل المعركة الحقيقية
الأنشطة المدرسية ومحاولات الفهم المتعثرة، والخطأ والصواب داخل الفصل، هي الأدوات الطبيعية التي تبني كاريزما الطالب وثقته بنفسه. من يدخل معترك الجامعة بشخصية مهزوزة، أو بمعدل مدرسي ضعيف يجعله في مؤخرة الصفوف، يستهلك سنواته الجامعية الأولى والثمينة في محاولة ترميم ثقته بنفسه وإصلاح انكساراته الداخلية، بدلاً من الانطلاق الإبداعي نحو التميز والتخصص.
ازرع في المدرسة.. تحصد في الحياة
تلك العشر سنوات التي مرت من عمري في التخبط والبحث عن الهوية، وتلك الغصة الحارقة التي سببتها لي كلمات زميلتي ذات يوم، لم تكن مجرد وجع عابر؛ بل تحولت بمرور الوقت إلى وقود حيوي، وبصيرة جعلتني أدرك بعمق لا يتزعزع قيمة العلم، وقيمة البدايات المبكرة التي تسبق العاصفة.
نصيحتي المخلصة لكل طالب وطالبة يقرؤون سطوري الآن: لا تنظروا إلى المدرسة كقيد، أو كواجب يومي ممل وثقيل. اجعلوا من مقعدكم المدرسي الحالي منصة انطلاقكم الصاروخية الأولى. اجتهدوا بكل ما أوتيتم من قوة لأجل معدل قوي يفتح لكم آفاق العالم، ولأجل بناء شخصية صلبة وواعية لا تهزها الكلمات العابرة ولا النظرات المحبطة. إن المستقبل قطار سريع لا ينتظر أولئك الذين يؤجلون أحلامهم إلى محطات متأخرة، والنجاح الحقيقي، بكل تفاصيله، يبدأ الآن.. من صفكم الدراسي الحالي.





