أبطال صنعوا التاريخأخبارأخبار الأسبوعثقافة

رواد. الفكر.الاسلامي

رواد الفكر الاسلامي

بقلم مروة فؤاد

المعتزلة: رواد العقلانية الإسلامية وأسباب انهيارهم التراجيدي

 

 

شهدت الساحة الفكرية الإسلامية في العصر العباسي الأول صعوداً مدوياً لفرقة أسست أول صرح متكامل لعلم الكلام العقلاني، وهم “المعتزلة”. مثّلت المعتزلة حركة تنويرية مبكرة تبنت مهمة الدفاع عن العقيدة الإسلامية أمام الفلسفات الوافدة والديانات الأخرى، مستخدمين سلاح الخصم ذاته: العقل والمنطق الاستدلالي.

 

ترتكز الهندسة الفكرية للمعتزلة على أصلين عظيمين هما: “التوحيد” و”العدل”. باسم التوحيد المطلق، رفضوا أي تشبيه لله بخلقه، ونفوا أن تكون صفاته الإلهية (كالعلم والقدرة) كيانات مستقلة عن ذاته، ووصلوا بذلك إلى القول بـ “خلق القرآن”، معتبرين أن كلام الله لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً كي لا يتعدد القدماء. وباسم “العدل” الإلهي، دافعوا بشراسة عن حرية الإرادة الإنسانية، مقرين بأن الإنسان خالق لأفعاله، خيراً كانت أم شراً، لأنه من المستحيل عقلاً وأخلاقياً أن يجبر الله الإنسان على فعل المعصية ثم يعاقبه عليها. وفقاً للمعتزلة، العقل يمتلك قدرة ذاتية (التحسين والتقبيح العقليين) لإدراك الخير والشر قبل نزول الوحي.

 

إذن، أين يكمن مأزق المعتزلة التاريخي؟ لقد حدث الانهيار التراجيدي عندما تخلت هذه الحركة العقلانية عن التسامح الفكري، وتحالفت مع السلطة السياسية (الدولة العباسية في عهد المأمون والمعتصم والواثق). قرر المعتزلة فرض رؤيتهم الفلسفية، وتحديداً مسألة “خلق القرآن”، بالقوة في ما عُرف تاريخياً بـ “المحنة”. تحول دعاة العقل إلى محاكم تفتيش تعاقب وتسجن معارضيها من الفقهاء وأهل الحديث، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.

 

أدى هذا الاستبداد العقلاني إلى نتائج عكسية مدمرة؛ فقد استقطب الفقهاء تعاطف الجماهير، وتجذر في الوعي الشعبي ارتباط الفلسفة والعقلانية بالقمع والابتداع. وعندما انقلبت السلطة السياسية على المعتزلة لاحقاً في عهد المتوكل، لم يسقطوا كأفراد فحسب، بل سقط معهم تيار العقلانية الحرة لصالح تيارات نقلية ونصية سيطرت على بنية العقل الإسلامي لقرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى