مرت السنوات، تمددت بهدوء على جدران بقالة وردة. كبر الطفل خيري وصار صبياً يافعاً، نسخة مُصغّرة من الحنان والعطف الذي زرعته فيه وردة. لم يكن في حياة وردة قيمة أو معنى يتجاوز ضحكة خيري أو إنجازاته الصغيرة. لقد صار خيري هو وتد قلبها، والذاكرة الوحيدة التي سلبت منها مرارة الماضي.
في عصر يوم خريفي بارد، اخترق جرس البقالة الصامت بدخول سيدة عجوز تحمل وجهًا مُتعبًا ومنكسرًا. كانت والدة رقية. تجمد الدم في عروق وردة وهي ترى السيدة التي لم ترها منذ سنوات، والتي كانت تجسيدًا لصفحة مؤلمة ظنت أنها طويتها للأبد. همست العجوز بصوت خافت بالكاد وصلها: “يا وردة… ابنتي رقية في المستشفى… حالتها صعبة للغاية… أظنها النهاية قريبة.”
دون تردد، أغلقت وردة البقالة وهرعت إلى المستشفى. لم يكن هناك وقت للتفكير في الحقد القديم؛ فقط شعور جامح بالشفقة على امرأة تذبل أمام عينيها. وجدت رقية مستلقية على فراش أبيض، شاحبة كالثلج، وعيناها تحملان نظرة تائهة مُتعبة. جلست وردة بجوارها، تُكافح لجمع شتات نفسها.
اعتراف رقية القاتل ووعد الصمت
طلبت رقية من والدتها أن تتركهما، وفي لحظة انفراد، أمسكت رقية بيد وردة بقوة مؤلمة مفاجئة، قوة لا تليق بمرضها. همست بصوت مبحوح ومتقطع، تخنقه أنفاسها الأخيرة: “وردة… قبل أن أموت… عليكِ أن تعرفي الحقيقة…”
ظنت وردة أنها ستسمع اعتذارًا عن كل ما مضى، لكن ما تلى ذلك كان كصاعقة نزلت على كيانها: “خيري… هو ليس طفلك! أنا من قمت بتبديله… طفلك الحقيقي… مات بعد ولادته بساعات، أو ربما فُقد… لكن الطفل الذي ربيته ليس ابنك البيولوجي. خيري هو ابني أنا… ولدتُه سراً… ثم بدلتكما لسبب… لسبب لا يمكنني قوله الآن!”
فُرض الصمت الثقيل على الغرفة. شعرت وردة أن الأرض تميد بها، وأن كل السنوات التي قضتها في بناء هذا الحب كانت مجرد كذبة. كيف يمكن لكل هذا الحنان أن يكون مبنياً على غش؟ وهي تُكافح لفتح فمها بالإنكار، تابعت رقية بلهجة إجبار:
“اسمعيني يا وردة… أرجوكِ… أنا أحتضر. أقسمي لي، أقسمي أن هذا السر لن يغادر هذه الغرفة أبدًا. خيري يحبك، ويظن أنكِ أمه، لا تدمريه. لو كشفتِ الحقيقة… ستحرقي كل شيء، وسيهدم ماضيه ومستقبله.”
ثم تراجعت رقية قليلاً، واختتمت طلبها الأخير والملح: “أقسمي لي… واعتني بوالدتي… هي لا تملك أحدًا بعدي، لا تتركيها وحيدة.”
وجدت وردة نفسها أمام مأزق مُحطِّم: هل تهدم حياة خيري لتكتشف ماضيها، أم تبقى صامتة وتعيش كذبة لتفي بوعدها؟ وبدموع انهمرت رغماً عنها، همست وردة بكلمة واحدة: “أقسم.”
عبء الوعد والبحث عن الحقيقة
غادرت وردة المستشفى، والوعد أصبح قيداً ثقيلاً على لسانها وعبئاً على روحها. عادت إلى المنزل، لكنها لم تعد تستطع رؤية خيري بنفس الوضوح. أصبحت تحدق في عينيه، تبحث عن شبح رقية فيهما، وهي تتساءل في صمت مرير: “من أنت يا ولدي حقًا؟”
رغم عذابها، وفت وردة بوعدها، وتولت رعاية والدة رقية العجوز التي كانت غارقة في حزنها وضعفها. أثناء ترتيب وردة لغرفة العجوز التي أصبحت مسؤولة عنها، عثرت على صندوق خشبي صغير وقديم مُخباً بعناية فائقة في قاع خزانة ملابس العجوز. ألهبتها الرغبة في معرفة السبب الحقيقي وراء تبديل الأطفال، وبحثت وردة حتى عثرت على المفتاح مربوطاً بخيط حريري تحت وسادة العجوز.
اكتشاف الصورة وخيط الأب الغامض
فتحت وردة الصندوق، ووجدت داخله كنوزاً من الذكريات القديمة التي تخص رقية: شهادات ميلاد قديمة، وقصاصات جرائد باهتة، لكن أكثر ما لفت نظرها كان صورة فوتوغرافية باهتة لرجل وسيم يرتدي ملابس رسمية (ربما عسكرية أو زي عمل مرموق)، يقف بجانب رقية الشابة التي كانت تبتسم بسعادة لم تعرفها وردة.
كانت الصورة في غاية الأهمية لأن الرجل يحمل نفس الوحمة الهلالية الصغيرة التي لاحظتها وردة على معصم خيري! إنه الأب البيولوجي المحتمل لخيري. مُرفقة بالصورة كانت رسالة حب قصيرة مُقتضبة وغير مؤرخة تحمل توقيعًا مُقتضبًا وغامضًا: “ح. ج.” (ربما حمزة أو حسين الجندي). في قاع الصندوق، وجدت وردة عنواناً قديماً مكتوباً بخط رقية إلى مكان بعيد في مدينة أخرى.
أدركت وردة أن الرجل في الصورة هو الخيط الوحيد لمعرفة قصة خيري بالكامل، وربما يقودها إلى أي معلومات عن طفلها المفقود الذي لم تعش لرؤيته يكبر. أصبح الصمت الذي أقسمت عليه مُكلفاً لروحها وباهظ الثمن لقلبها.
الصراع النهائي: هل تسافر وردة سراً للبحث عن الرجل الغامض “ح. ج.” في العنوان البعيد وتكسر وعد الصمت لرقية، لتخاطر بتدمير حياة خيري وكشف المستور؟ أم هل تحرق الصورة والأدلة وتدفن السر للأبد، وتستمر في العيش كأم لخيري وهي مُحطمة داخليًا؟ لقد اختارت وردة أن تبدأ رحلة البحث سراً، متظاهرة أمام خيري والعجوز بأنها مسافرة لزيارة أقارب بعيدين، لتبدأ مغامرة خطيرة لكشف حقيقة طفلين.