دنيا ودين

العقد بين حسن الخلق والقباحة

العقد بين حسن الخلق والقباحة

بقلم / محمـــد الدكـــروري

مقالات ذات صلة

اليوم : الخميس الموافق 24 أكتوبر 2024

الحمد لله الذي جعل الشباب قوة، وزينة وفتوة، وزيّن بالثبات منهم من شاء، وحلى بالإستقامة منهم من أراد، أحمده سبحانه وأشكره والشكر له على جزيل نعمه، وعظيم مننه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله أرسله ربه بالهدى والنور، فلبّى دعوته شباب نفع الله بهم الإسلام وأمته، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته، المتفانين في دعوته، والممتثلين لأوامره، والمجتنبين لنواهيه، وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد قيل أنه كان في عصر الخليفة العباسي المنصور وصل رجل من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم الى المنصور بحكم الصداقة التي كانت بينهما قديما فلما وصل خليفة الزمان قدم عليه ووفد إليه وكان الرجل عاقلا لبيبا ولم يكن عالما.

 

فلما رآه المنصور قربه وأدناه وأزلفه واستدعاه‏، فقال له الرجل يا أمير المؤمنين أنا محب لك شديد المحبة والولاء مخلص في الطاعة والدعاء غير إنني لا أصلح لخدمة الملوك فكيف ينبغي أن أزورك بحيث لا يظهر مني سوء أدب فقال المنصور أخر الزيارة، وإذا زرتني فإجعل بين زيارتك وإنقطاعك مدة إذا غبت فيها لم أنسك وإذا حضرت لم أملك وإزدادت محبتك عندي عما كانت عليه أولا، وإذا دخلت فاجلس بعيدا مني حتى يقربك الحاجب بالتدريج ولا تطل جلوسك فتنسب الى سوء الأدب ولا تسأل حاجتك لئلا تثقل على قلبي وإذا أحسنت اليك فاشكرني في كل محلة تحلها ومنزلة تنزل بحيث إذا بلغني سررت بشكرك وإزددت في برك ولا تذكر في المجالس ما جرى بيني وبينك في الزمان الماضي‏، فإمتثل الرجل هذه الوصايا.

 

فكان في كل سنة يمضي الى سلامه مرتين وكان المنصور يعطيه في كل مرة يسلم عليه ألف درهم‏، وإنما ذكرت هذه الحكاية ليعلم أن من كان له عقل وان لم يكن عالما فان عقله يكون له دليلا ومن كان ذا علم وليس له عقل عادت أموره كلها منعكسة منقلبة ومن كان تام العقل والعلم كان في الدنيا نبيا أو حكيما أو إماما فإن جمال الانسان وعزه ومرتبته وصلاح أحوال دنياه وآخرته بالعقل وتمامه فتتكامل صفاته وأقسامه، وقال بعض القدماء ليس العقل أن الإنسان إذا وقع في أمر إجتهد في حسن خلاصه منه بل العقل ان لا يوقع نفسه في أمر يحتاج الى الخلاص منه‏، سئل ابن عباس رضي الله عنهما العقل أم الأدب فقال لأن العقل من الله تعالى والأدب تلكيف من العبد‏، وسئل عبد الله بن المبارك العقل خير أخ الأدب فقال العقل فقيل له ما العقل فقال العقل تعلم العلم. 

 

والعمل بالعلم أن تعلم أنه ينبغي أن تعمل والعقل أنك متى علمت عملت‏، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏‏ ما قسم الله لعباده خيرا من العقل ونوم العاقل خير من عبادة الجاهل والعاقل المفطر خير من الجاهل الصائم وضحك العاقل خير من بكاء الجاهل‏، وقال رجل لأقليدس لا أستريح أو أتلف روحك فقال أنا لا أستريح أو أخرج الحقد من حكمة‏،‏ قال الحكيم كما تفوح من الميتة الرائحة المكروهة يفوح من الجاهل نتونة الجهل فتضر به وبجيرانه وأهله وأقاربه‏، وسئل الحكيم ما العقل فقال سداد وعقد بين ثلاثة وعشرين شيئا فلولا هذه العقود لاختلط الجيد بالردىء‏، أولا هو عقد بين التوحيد والشرك وبين الايمان والكفر وبين الحقد والتهور وبين الإسلام والغفلة وبين اليقين والشك وبين العاقبة والبلاء وبين الكرم والبخل وبين حسن الخلق والقباحة وبين التواضع والتكبر وبين الصداقة والعداوة وبين العلم والجهل. 

 

وبين الحياء والوقاحة وبين الحق والباطل وبين الرزانة والخفة وبين الظلمة والضياء وبين الكرامة والزلة وبين الطاعة والمعصية وبين ذكر الله تعالى والغفلة وبين النصيحة والحسد وبين السنة والبدعة وبين الرحمة والقساوة وبين الحلم والحمق‏، وقال صاحب الكتاب رحمه الله تعالى جميع محاسن الدنيا في العقل وسائر العلوم والأعمال مرجعها الى العقل كما جاء في الحكاية‏.

العقد بين حسن الخلق والقباحة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى