
حين يصبح اللقب بلا سند
بقلم: ريمون عصام خليل
محلل للشأن العام وكاتب الخبطة الاستقصائية
كاتب يقدم رؤى نقدية للواقع من خلال السرد القصصي والحكم المستخلصه
في زمنٍ أضحت فيه الصفات المهنية تُطبَع على بطاقات التعريف، وتُزخرف بها الحسابات الرقمية والإعلانات المروجة خلال ثوانٍ معدودة، لم يعد السؤال الاستقصائي الأبرز ينحصر في: «ماذا يكتب المرء بجوار اسمه؟»، بل استحال السؤال الأكثر خطورة وحساسية: ما الذي يثبت حقيقة هذه الصفة من الناحية الإجرائية والقانونية؟
إن فحص الخلل الميداني يؤكد أن الأزمة لا تنطلق فقط من فرد يقرر تقديم نفسه للمجتمع بصفة أو مسمى تخصصي لا يمتلك أدواته؛ بل تتجذر في بيئة كاملة سمحت بمرور هذه الظاهرة دون تدقيق: عميل يندفع خلف الخيار الأرخص، ومواطن يقع في فخ المظهر البراق، ومنصات رقمية تمنح مستخدميها ألقاباً استشارية كبيرة، بينما تغيب الوثيقة الرسمية والاعتماد الترخيصي عن المشهد بالكامل.
وهنا تحديداً تتشكل واحدة من أعتى الفجوات الهيكلية في سوق العمل والقطاعات الفنية والإجرائية: الفارق بين من يمتلك خبرة تنفيذية في الميدان، ومن يمتلك الصفة التشريعية والمعيارية التي تخوله ممارسة اختصاص محدد وتحمل تبعاته.
إن الخبرة العملية الحرفية قيمة ميدانية لا يجوز إنكارها أو الانتقاص منها، والحرفة الفردية شرف ومصدر رزق مشروع؛ بيد أن الخلل الجسيم يبدأ عندما تتجاوز الخبرة نطاقها الطبيعي، وتتطور إلى إيهام المجتمع والمستهلك بأن صاحبها “متخصص معتمد” أو “استشاري مهني” دون سند مستندي يثبت هذا التأهيل.
والجانب الأكثر إيلاماً أن المواطن العادي غالباً ما يعجز عن استبيان الخيط الفاصل؛ فهو يطالع مخرجات ظاهرة، ويستمع إلى مصطلحات فنية تبدو براقة ومقنعة، ويرصد صوراً لمشروعات سابقة على منصات التواصل، فيتوهم تلقائياً أن هذا النتاج يمثل اعتماداً رسمياً وتأهيلاً قانونياً.
لكن الصورة الرقمية ليست وثيقة، واللقب المكتبي ليس ترخيصاً، وسنوات الممارسة الفردية مهما طالت لا تُنشئ بمفردها صفة تشريعية.
إن هذا الطرح الاستقصائي لا يهدف مطلقاً إلى صد أصحاب الحرف أو تضييق منافذ أرزاقهم؛ بل يسعى إلى ترسيخ “الرقابة الذاتية” وحماية الحدود الفاصلة بين الاختصاصات التنفيذية والتصميمية والرقابية. فالهدف أن يدرك المواطن بوضوح: من الذي ينفذ الشغل الميداني؟ ومن الذي يضع التصميم والمعايير؟ ومن الذي يراجع ويطابق الاشتراطات؟ ومن الذي يتحمل المسؤولية القانونية والمهنية المباشرة أمام أجهزة الدولة عند وقوع الخلل؟
إن المسؤولية لا تقع حصراً على كاهل الأجهزة الرقابية والجهات التنظيمية؛ بل تبدأ عملياً من وعي المواطن عبر سؤال جوهري ومباشر قبل الشروع في أي تعاقد أو اتفاق مالي: «هل هذه الصفة المعلنة مدعومة بمستند رسمي وترخيص مهني ساري؟»
لأن التجاوز في بعض القطاعات الحيويّة لا تتوقف خسائره عند فوات مبلغ مالي؛ بل قد يمتد ليطال السلامة الإنشائية، وأموال الأسر، ومستقبل استثمارات كاملة.
وفي المقابل، فإن أصحاب المؤهلات والاعتمادات النظامية لا يطالبون بامتيازات استثنائية فوق مظلة القانون؛ بل يطالبون ببيئة سوق عادلة ومحمية، يُعرف فيها كل طرف حدود صلاحياته، وتُقاس فيها التنافسية بمعيار الكفاءة والالتزام بالمعايير، لا بارتفاع نبرة اللقب على البطاقة التعريفية.
إن الدولة بأجهزتها الرقابية لا تستطيع التواجد خلف كل بطاقة أو إعلان أو صفحة افتراضية؛ لكن المجتمع المستنير يمتلك القدرة على تحويل “التحقق” إلى سلوك عام، و”الوثيقة” إلى معيار حاكم، و”الاختصاص” إلى أمانة ومسؤولية.
والحكمة الاستقصائية التي تستحق أن تبقى معنا:
حين يغيب المستند، لا يكفي اللقب لإثبات الصفة.
ملخص المادة الاستقصائية (سريع للجمهور):
المقال التحقيقي ده هو ضربة موجهة لظاهرة «فوضى الألقاب والمسميات المزيفة» في سوق العمل، ويركز على النظرة النقدية التالية:
* الفارق بين الحرفي والمتخصص: المقال بيحترم الخبرة العملية والحرفيين، لكنه بيحط خط فاصل واضح بين اللي شغال بإيده، وبين اللي بينتحل صفة “مهندس/استشاري/خبير معتمد” بدون شهادة ورخصة من الدولة.
* فخ الصور والمظاهر: المقال بيكشف إزاي الناس بتتخدع بالصور على الفيس بوك أو الكلام الكبار، وبيؤكد إن “الصورة مش وثيقة واللقب مش ترخيص”.
* المسؤولية الإنشائية والمالية: الغلطة في المهن دي مش مجرد فلوس ضاعت، دي ممكن تهد سلامة منشآت وشقق وأموال ناس.
* حل الأزمة: الحل يبدأ من المواطن اللي يسأل عن “الورق والمستند الرسمي” قبل ما يدفع جنيه، ومن الدولة اللي تطبق القانون على الجميع بحزم عشان المنافسة تبقى عادلة.





