أخبارأخبار الأسبوعثقافةدنيا ودين

الهوي..والسعي

الهوي..والسعي

بقلم..مروة فؤاد

بين البعد الروحي والفلسفي والواقعي نتعمق معا في ذلك..

 

 

 

وهم الهوى وحقيقة السعي: حرية الإنسان بين انهيار القيم وسُنَّة الابتلاء

 

نعيش اليوم في عصرٍ تتهاوى فيه البنى الأخلاقية، وتشهد فيه المجتمعات تحولاتٍ رهيبة وسريعة في منظومة القيم؛ حيث غدا الحق غريباً، والباطل مألوفاً. وفي خضم هذا الخواء الروحي والانهيار القيمي، أصبح الاستسلام لـ “الهوى” ليس مجرد نزوة عابرة، بل أصبح يُسوَّق للإنسان المعاصر على أنه “حرية شخصية” و”تعبير عن الذات”.

 

ولكن، كيف يقف الإنسان المؤمن أمام هذا الطوفان؟ وكيف يفهم طبيعة ابتلائه مع الهوى، ومع الشيطان، ومع النتائج؟ الإجابة تكمن في إعادة قراءة المعادلة الربانية للإنسان، وفهم الفلسفة العميقة لحرية الإرادة.

 

المعادلة الربانية: السعي الدائم لا حصيلة النتائج

من أعظم ما يجهله الإنسان المعاصر، ويؤرقه، هو (الهوس) بـ “النتائج”. فالعالم من حوله يقيّمه بحصيلة إنجازاته، وبما حققه من مكاسب مادية أو معنوية. ولكن الله عز وجل، في كتابه الكريم، كسر هذه القاعدة المادية الجافة، وأسس معادلة إلهية تليق بكرامة الإنسان؛ **فهو لا يربط الإنسان بقيمة النتائج، بل بالسعي الدائم**.

 

قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾.

النتائج بيد الله، تتدخل فيها السنن، والظروف، والأرزاق، والابتلاءات. أما “السعي” فهو المجال الوحيد الذي يملكه الإنسان ويُسأل عنه. الله لا يطلب منك أن تُنتصر في كل معركة، ولا أن تُقنع كل ضال، ولا أن تُصلح كل فاسد؛ بل يطلب منك أن لا ينقطع سعيك، وأن لا يتوقف جهدك.

 

في زمن الانهيار القيمي، حيث يبدو أن الباطل منتصر والحق مهزوم، يأتي هذا المفهوم ليريح قلب المؤمن. فالمؤمن لا يُقاس بنجاحه في تغيير العالم، بل باستماتته في تغيير نفسه، وبديمومة سعيه نحو الله، حتى لو لم يرَ ثمرة سعيه في الدنيا. فالسعي الدائم هو العبادة، والنتائج هي المنحة.

 

أسطورة سلطان إبليس: المُغري لا المُسَيِّر

في غمرة ضعف الإنسان أمام هواه، يلقي البعض باللوم على الشيطان، متوهماً أن إبليس قوة خارقة تسلبه إرادته وتتحكم في تفكيره. ولكن القرآن الكريم يفصل في هذه القضية فصلاً حاسماً: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.

 

إبليس ليس طاغية يجلس على عرش عقلك ويسيطر على أفكارك؛ سلطانه الوحيد هو “الإغواء” و”التزيين”. أما التفكير والاختيار، فهما منطقة محرمة لا يدخلها إلا بإذن من “الحرية” التي فطرك الله عليها.

 

وهنا نصل إلى فلسفة إلهية عميقة: **إبليس لا يسلب الإنسان حريته، بل يكشفها.*

الشيطان والزخارف التي يدعو إليها ليست إلا “أدوات اختبار”؛ فلو لم يوجد من يدعو إلى الباطل، ولولا وجود من يزين المعصية، لما تجلت إرادة الإنسان في اختيار الحق. اختيار الحق في غياب الباطل يكون مجرد “عادة” أو “جبروت فطرة”، لكنه لا يكون “اختياراً حراً”.

 

لذلك، وجود إبليس ودعاته هو شرط ضروري لكي تبرز إنسانيتك؛ لكي تختار الحق بـ “إرادتك” لا بـ “اضطرارك”. وحين يعصي الإنسان ربه، فلا يحسبنّ الشيطان هو السبب، بل إن السبب هو أن الإنسان استخدم حريته التي أكرمه الله بها ليختار ما لا يرضي الله.

 

في زمن الانهيار القيمي: حين يصبح الهوى “حرية”

في ظل التحولات الرهيبة التي نعيشها اليوم، حيث انهارت الكثير من القيم الرادعة، وأصبحت المجتمعات لا تعيب على الإنسان استسلامه لشهواته، بل ربما تحتفي به؛ فإن مقاومة الهوى أصبحت أصعب مما كانت في العصور السابقة.

 

سابقاً، كان هناك “ضغط مجتمعي أخلاقي” يساعد الإنسان على مقاومة نفسه الأمارة بالسوء. أما اليوم، فقد انهار هذا الجدار، وأصبحت البيئة المحيطة بأكملها تُغري الإنسان بالاستسلام، وتُسمي الانحلال الخلقي “تحرراً”، وتُسمي الأنانية “حباً للذات”.

 

في هذا المناخ، يصبح الاستسلام للهوى أسهل الطرق، لأنه لا يتطلب أي مجهود، ولا يصطدم بأي رادع خارجي. وهنا تبرز عظمة “السعي الدائم” الذي يطلبه الله؛ فالمؤمن في هذا العصر لا يُبتلى فقط بهواه الداخلي، بل يُبتلى بـ “هوى المجتمع” من حوله. ومقاومة هذا التيار تتطلب سعياً متواصلاً، ومجاهدة لا تنقطع، وهو ما يرفع درجة الإنسان عند الله.

 

الخلاصة: شرف الاختيار وديمومة السعي

إن استسلام الإنسان لهواه في ظل هذا الانهيار القيمي ليس قدراً محتوماً، ولا هو حجة للشيطان. بل هو في المحصلة النهائية “خيار” يعكس مدى وعي الإنسان بحريته.

 

إن الله عز وجل لا ينظر إلى هل نجحت في تغيير مجتمعك المنهار؟ ولا هل انتصرت على كل نزواتك في لحظة ضعف؟ بل ينظر إلى “سعيك الدائم”، ينظر إلى هل لا تزال تحاول؟ هل لا تزال تختار الحق رغم أن المحيط يدعو للباطل؟

 

فلو لم يوجد إبليس، ولو لم يوجد دعاة الباطل، لما عُرف من يختار الحق بإرادته الحرة. ودمار القيم من حولنا ليس نهاية العالم، بل هو “الفرصة الكبرى” لكي يثبت الإنسان أنه حرٌ حقاً؛ لا تستعبده شهواته، ولا تُسَيّره تحولات مجتمعه، بل يظل في سعيٍ دائمٍ نحو خالقه، راضياً بأن النتائج لله، وأن شرف الاختيار والسعي هو للإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى