
بقلم الكاتب ،,: حسين ابوالمجد حسن
في صفحات التاريخ تُكتب مآثر الأمم بدمائها وقرارات قادتها، وليس بقرع طبول الدعاية أو أساليب الهيمنة. أنور السادات دخل ساحة التاريخ وعينه على استرداد الكرامة للمصريين، وعلى تحدٍ صارم لمنطق الاحتلال والوصاية. لم تكن معركة السادات مجرد مواجهة ميدانية، بل صدام بين إرادة شعب ترفض الاستمرار تحت نير احتلال وسياسات تهدف لتقزيم الأمة وتقسيم إرادتها.
العدو الذي واجهناه — ذلك الكيان السياسي الذي نشأ في ظل مؤامرات وتواطؤات دولية — لم يُهزم في مجرد لقاءات دبلوماسية أو بيانات صحفية؛ بل هُزم في إرادة شعبٍ استعاد استعادة نفسه. وقد ظنّت بعض القوى الخارجية، وعلى رأسها دوائر السياسة الإمبريالية، أن نفوذها المالي والعسكري قادر على إخضاع شعوب المنطقة إلى مزيدٍ من التبعية. لكن الحقائق على الأرض أثبتت أن القوة الحقيقية ليست في قواعد عسكرية بعيدة أو موازنات ضخمة، بل في عزيمة الأمة ووحدة كلمتها.
سادت موجة من التضليل الإعلامي والدبلوماسي سعت لتجميل سياسات احتلالية، ولبس ثوب القانون الدولي، بينما تُشرد الشعوب وتُنهب الحقوق أمام أعين العالم. لكن مصر، بقيادتها وشعبها، قالت كلمتها بصوتٍ واحد: لا للمصادرة، لا للتغول، لا للوصاية. السادات لم يشن حربًا من أجل الحرب، بل خاض معركة من أجل استعادة كرامة وطنٍ تمسّكت به أجيال، ومن أجل ترك أثرٍ تاريخي لا تُطمسه أوراق المؤتمرات المزيفة.
إن نقدنا الموجَّه اليوم ليس موجهاً إلى شعوب بعينها، بل إلى أنظمة وسياسات تبنّت العنف كأداة دائمة لفرض الإرادة، وتوظيف تحالفات دولية لإبطال حق الشعوب في تقرير مصائرها. نقدنا يفضح ازدواجية المعايير: حيث تُقدس حقوق بعض الشعوب وتُنكر لغيرها، وتُغضَّ البصرة عن جرائم الاحتلال حين تُقَارَن بمصالح سياسية واقتصادية.
ولن نتردّد في وصف حقيقة مؤلمة: أي قوة تستند في بقائها إلى بطشها واحتلالها تُعدّ هشّة أمام عزيمة أمةٍ قررت الانعتاق. التاريخ لا يرحم من مارست الظلم باسم القوة، وسيأتي يوم الحساب للعروش التي بنَت آمالها على ضعف الآخرين. أما من بنوا مستقبلهم على العلم والعمل والكرامة فمصيرهم البناء والتقدّم.
في معركة الكرامة، لا نحتاج إلى تكبير الخصم أو الخوض في مهانة الشعوب. بل نكشف عن هشاشة الادعاءات ونفجر زيف البروباغندا. نُبيّن كيف أن الضجيج العسكري لا يعوّض عن فقدان الشرعية، وأن تحالفات السرّ والخفاء لن تُلغي حقيقة أن الحق للشعوب أولاً.
ختامًا: لن نترك ساحة التاريخ لمن يعملون على استثمار الخوف والذل. سنصون ذِكْر الأبطال، ونروّج لمنطق الشجاعة والصمود، ونواجه شتى أشكال التدخّل بالوعي والعمل الوطني. السادات حين اتخذ مواقفه لم يكن يطلب عظمة شخصية، بل كان يدافع عن وجه مصر وكرامتها. ومن يقرأ التاريخ جيدًا يدرك أن القيم والأمجاد تُبنى بعزيمة الشعوب، لا بشراء الولاءات ولا بقبول الوصاية.





