
البطل الذي حدد يوم قيامة إسرائيل
تقرير د/منصور الأنصاري
في خضم التحضيرات السرية والمضنية لحرب أكتوبر المجيدة، وبين دهاليز هيئة عمليات الجيش المصري، كان هناك بطل صامت، عقل مدبر، ورجل رؤية، لعب دورًا محوريًا ربما لم ينل حظه الكافي من الضوء. إنه اللواء أركان حرب صلاح فهمي النحلة، رئيس فرع التخطيط بهيئة عمليات الجيش المصري، الذي شاء القدر أن يكون صاحب القرار الحاسم في تحديد “ساعة الصفر”، تلك اللحظة التي هزت أركان إسرائيل وأعادت لمصر عزتها وكرامتها.
في شهر مايو من عام 1973، صدر التكليف التاريخي من اللواء عبد الغني الجمسي إلى العقيد آنذاك صلاح فهمي: تحديد الموعد الدقيق للهجوم الكاسح على خط بارليف الحصين، بالشهر واليوم والساعة. لم يكن هذا مجرد قرار روتيني، بل كان مفتاح النصر أو الهزيمة، وكان يتطلب عبقرية في التحليل ودقة متناهية في التقدير.
لم يتوانَ العقيد صلاح فهمي لحظة. انطلق في رحلة بحث مضنية عن أدق التفاصيل التي يمكن أن تخدم خطة الهجوم. توجه أولاً إلى مركز الدراسات الإستراتيجية، باحثًا عن مواعيد الأعياد والعطلات الرسمية في إسرائيل، لعلمه بأهمية عنصر المفاجأة وإرباك العدو في أوقات استرخائه. ثم كانت وجهته التالية هيئة الأرصاد الجوية، حيث درس حسابات الليل والنهار بدقة، واتجاهات التيار في قناة السويس، مدركًا تأثير هذه العوامل الطبيعية على حركة القوات.
لم يغفل الجانب الاستخباراتي الحيوي، فتوجه إلى جهاز المخابرات العامة المصرية، مستفسرًا عن خطط الدفاعات الإسرائيلية، وتوقيتات تدخل الاحتياطي، وآليات استدعاء الجيش الإسرائيلي. كان يجمع الخيوط بدقة، يرسم صورة كاملة للوضع أمام عينيه، مستهدفًا استغلال نقاط الضعف وتحييد نقاط القوة لدى العدو.
من رحم هذه المعلومات الدقيقة، توصل العقيد صلاح فهمي إلى استنتاج بالغ الأهمية: أول رد فعل إسرائيلي منظم سيستغرق حوالي ست ساعات، وفقًا لبروتوكولات انعقاد مجلس الوزراء الإسرائيلي. هنا لمعت الفكرة العبقرية في ذهنه. حدد موعد الهجوم المصري وساعة الصفر في تمام الساعة الثانية ظهرًا من يوم السادس من أكتوبر. لماذا هذا التوقيت تحديدًا؟ لأن بعد ست ساعات من هذا الموعد، سيحل الليل بظلامه الدامس، مما يعيق قدرة إسرائيل على الرد الفعال في ظل غياب الرؤية الليلية الواضحة آنذاك.
لم تتوقف حساباته عند هذا الحد. دعم اختياره للساعة الثانية ظهرًا بعامل تكتيكي آخر بالغ الأهمية: الشمس ستكون خلف رؤوس الجنود المصريين المقتحمين، مما يعمي أعين الجنود الإسرائيليين ويقلل من قدرتهم على التصويب بدقة. وأخيرًا، كان السادس من أكتوبر يوافق يوم عيد الغفران عند اليهود، وهو يوم عطلة رسمية وشلل جزئي للحياة في إسرائيل، مما يزيد من عنصر المفاجأة والارتباك.
في تواضع جم، بدأ البطل العقيد صلاح فهمي في تدوين تقريره النهائي في كراسة مدرسية عادية، كانت تخص ابنته “حنان صلاح فهمي”. قلب الكراسة وكتب التقرير من الخلف، وكأنما أراد أن يبقى هذا القرار المصيري بعيدًا عن أعين المتطفلين حتى اللحظة الأخيرة. وفي اليوم التالي، سلم الكراسة إلى اللواء الجمسي، الذي بدوره رفعها إلى وزير الحربية المشير أحمد إسماعيل. وبعد ساعتين فقط، كانت الكراسة بين يدي الرئيس والزعيم الراحل أنور السادات، الذي وافق على الموعد التاريخي فورًا.
لكن إبداعات هذا البطل لم تتوقف عند تحديد ساعة الصفر. كان اللواء صلاح فهمي أيضًا صاحب فكرة غلق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية، وهي الضربة الاستراتيجية التي أذهلت إسرائيل وعزلت ميناء إيلات الحيوي طوال فترة الحرب. سافر العقيد صلاح فهمي إلى اليمن قبل الحرب بشهر متخفيًا كرجل أعمال، ووضع خطة محكمة لتأمين عمل المدمرات والغواصات ولنشات الصواريخ المصرية في البحر الأحمر، ليحرم إسرائيل من أهم منفذ لها على البحر الأحمر.
رحل اللواء صلاح فهمي عن عالمنا في هدوء تام يوم 27 يناير 2017، عن عمر يناهز 81 عامًا. سارت في جنازته أسرته فقط، بعيدًا عن أضواء الإعلام والشهرة التي استحقها بجدارة. ربما لم يعرف الكثيرون اسم هذا البطل العملاق، لكن قراره الشجاع وتخطيطه العبقري كان له الفضل الأكبر في تحقيق نصر أكتوبر المجيد.
إن قصة اللواء صلاح فهمى هي تذكير بأن البطولة الحقيقية قد تأتي في صمت، وأن صناع التاريخ الحقيقيين قد يظلون في الظل، تاركين وراءهم إرثًا من العزة والفخر. رحم الله هذا البطل العظيم وكل شهداء الوطن الذين بذلوا أرواحهم فداءً لمصر. وجب علينا أن نذكرهم ونروي قصصهم للأجيال القادمة، لتبقى ذكراهم خالدة في سجل أبطال صنعوا تاريخ مصر.
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية





