
الكويت بين العراق وإيران
كتبت/ نعمة حسن
هل هي الجغرافيا التي تستدعي الحرب… أم الثروة التي تستدعي الأطماع؟
ليس أخطر ما تفعله الحرب أنها تقتل الجنود؛ بل أنها قد تُقنع الدولة التي نجت منها بأنها أصبحت عصيّة على الهزيمة.
ثمانية أعوام كاملة، من سبتمبر ١٩٨٠ إلى أغسطس،١٩٨٨ وقف العراق وإيران على جانبي واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين. لم تكن معركة خاطفة، ولا حملةً محدودة الأهداف، بل كانت مدرسةً دموية مفتوحة: خنادق، ومدفعية، وصواريخ، وحرب مدن، وهجمات على ناقلات النفط، وعمليات برية متعاقبة، وتعبئة بشرية واقتصادية هائلة.
خرج البلدان من الحرب من دون نصر حاسم. بقيت الحدود في معظمها كما كانت، لكن الجيوش لم تعد كما دخلت.
لقد تعلّم الضباط كيف تتحرك الوحدات تحت النار، وكيف تُدار الجبهات الممتدة، وكيف يُعوَّض النقص في السلاح، وكيف تستمر الدولة في القتال رغم الحصار والخسائر. اكتسب الجيش العراقي خبرة واسعة في العمليات المشتركة واستخدام المدرعات والمدفعية والقوة الجوية، بينما تعلّمت إيران القتال تحت ضغط نقص قطع الغيار والعزلة، وطوّرت قدرة كبيرة على التعبئة، والتحمل، والعمل بوسائل غير متكافئة.
لكن هنا تكمن المفارقة:
الحرب جعلت الجيشين أكثر خبرة… وجعلت الدولتين أكثر إنهاكًا.
فالخبرة العسكرية لا تعني بالضرورة قوة الدولة الشاملة. قد يمتلك البلد ضباطًا خاضوا آلاف المعارك، بينما تكون خزانته فارغة، وبنيته التحتية منهكة، وشبابه مستنزفين، واقتصاده أسير النفط، وقراره السياسي محاصرًا بضرورات ما بعد الحرب.
كانت القوة ظاهرةً في الثكنات، بينما كان الضعف يتراكم داخل الدولة.
العراق بعد الحرب: جيش ضخم ودولة تبحث عن ثمن الانتصار
خرج العراق من الحرب مع إيران وهو يشعر بأنه منع سقوط البوابة الشرقية للعالم العربي، وأن جيشه بات واحدًا من أكبر جيوش المنطقة وأكثرها خبرة. لكن خلف صورة القوة، كانت هناك فاتورة ثقيلة.
اعتمد العراق خلال الحرب بدرجة كبيرة على الاقتراض، وبلغت ديونه لدول الخليج عشرات المليارات من الدولارات. وتشير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن ديونه للدائنين الخليجيين بلغت نحو ٣٧ مليار دولار بحلول عام ١٩٩٠. كان العراق يريد من الدول التي دعمته أن تعامل تلك الأموال باعتبارها مساهمة في الدفاع عن الخليج، لا قروضًا واجبة السداد. لكن الدول الدائنة لم تتبنَّ هذا التفسير.
هنا تحولت نهاية الحرب إلى بداية أزمة أخرى.
العراق كان يحتاج إلى أسعار نفط مرتفعة ليعيد بناء اقتصاده ويسدد ديونه ويحافظ على جيشه الكبير. وفي المقابل، اتهم الكويت والإمارات بإنتاج كميات نفطية تضغط الأسعار إلى أسفل. كما دخل في خلاف مع الكويت حول حقل الرميلة الحدودي، وأثار اتهامات بالسحب من النفط العراقي، وهي اتهامات كانت جزءًا من الخطاب الذي مهّد للغزو، لا حقيقةً مستقلة تبرر ما حدث.
كان أمام القيادة العراقية خياران:
أن تعترف بأن حرب السنوات الثماني أنهكت الدولة، فتخفض الإنفاق العسكري وتبدأ تسويةً ماليةً وسياسيةً طويلة…
أو أن تتصرف كقوة منتصرة، وتبحث عن حل سريع يفرضه الجيش.
وقع الاختيار على الحل الثاني.
وفي الثاني من أغسطس ١٩٩٠، دخل الجيش العراقي الكويت.
هنا وقعت الكارثة الاستراتيجية الكبرى: الجيش الذي صمد ثماني سنوات أمام إيران دخل بلدًا صغيرًا في ساعات، لكنه في اللحظة نفسها فتح على العراق مواجهة مع تحالف دولي يفوقه جوًا وتقنيًا واقتصاديًا بما لا يُقاس.
لقد نجح العراق عسكريًا في احتلال الكويت سريعًا، لكنه فشل استراتيجيًا في تقدير ما سيأتي بعد الاحتلال.
وهذا أحد أعظم دروس التاريخ:
قد تنتصر القوات في اليوم الأول… بينما تخسر الدولة الحرب كلها في القرار الذي سبق إطلاق النار.
هل كانت الكويت هي الهدف… أم كانت البوابة؟
الكويت ليست مجرد مساحة صغيرة بين العراق والسعودية.
إنها نقطة تتقاطع فيها خمسة عناصر شديدة الحساسية:
الجغرافيا، والنفط، والديون، والموانئ، والتوازن الدولي.
أولًا: الجغرافيا
يمتلك العراق ساحلًا قصيرًا نسبيًا على الخليج، وتزداد حساسية وصوله البحري بسبب موقع الكويت والجزر والممرات المائية القريبة. لذلك ظل المنفذ البحري جزءًا من التفكير الأمني العراقي، خصوصًا في ظل أهمية ميناء أم قصر وشط العرب.
أما الكويت، فتقع عند رأس الخليج، ملاصقةً لجنوب العراق، وقريبةً من إيران ومن أهم مسارات تصدير الطاقة في العالم. ولهذا فإن صغر مساحتها لا يقلل من قيمتها الاستراتيجية؛ بل يزيدها. فالدول الصغيرة الواقعة عند عقد الممرات قد تكون أهم من دول أكبر منها عشرات المرات.
الجغرافيا هنا لا تفسر الغزو وحدها، لكنها تفسر لماذا كانت الكويت أكثر حساسية في الحسابات العراقية من أي دولة خليجية أخرى.
ثانيًا: الاقتصاد والديون
لم تكن الكويت دولةً مجاورة فقط، بل كانت أيضًا دائنًا مهمًا للعراق بعد حربه مع إيران. لذلك اجتمعت في نظر القيادة العراقية ثلاثة أدوار في دولة واحدة:
جار يملك الثروة…
ودائن يطالب بأمواله…
ومنتج نفطي يستطيع التأثير في السعر الذي تعتمد عليه بغداد لإعادة البناء.
لهذا لم تكن الأزمة مع الكويت نزاعًا حدوديًا فحسب؛ بل كانت عقدةً اقتصادية كاملة. إسقاط الكويت، في التصور العراقي آنذاك، كان يمكن أن يؤدي إلى شطب الديون، والسيطرة على احتياطيات نفطية ضخمة، وتوسيع المنفذ البحري، وزيادة الوزن داخل سوق النفط.
لكن ما بدا حلًا سريعًا للعجز المالي صار سببًا في حصار طويل، وتدمير واسع، وتعويضات، ثم سلسلة أزمات انتهت بالغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣.
ثالثًا: النفط
النفط لا يصنع الحروب وحده، لكنه يغيّر قيمة الأرض وحجم التدخل الدولي.
الكويت دولة نفطية كبيرة قياسًا بمساحتها، واقتصادها قائم بدرجة شديدة على صادرات الطاقة. كما أن وقوعها في قلب الخليج يجعل أي تهديد لها تهديدًا مباشرًا لتدفق النفط، وللدول المجاورة، ولحسابات القوى الكبرى.
من يسيطر على الكويت لا يحصل على أرض إضافية فقط؛ بل يقترب من التأثير في جزء بالغ الحساسية من سوق الطاقة العالمي.
ولهذا لم يكن المجتمع الدولي ينظر إلى الغزو باعتباره نزاعًا محليًا بين بلدين عربيين. كان يُنظر إليه باعتباره تغييرًا بالقوة لخريطة النفط والأمن في الخليج.
رابعًا: سهولة الدخول وصعوبة الاحتفاظ
الكويت بالنسبة إلى العراق أرض متصلة جغرافيًا، مفتوحة نسبيًا أمام حركة القوات البرية، ولا تفصلها جبال أو بحار أو مسافات شاسعة.
لكن هذه السهولة كانت خادعة.
فما جعل دخولها سريعًا جعل أيضًا حشد التحالف الدولي في الجوار ممكنًا، خصوصًا بعد أن استضافت السعودية القوات التي خاضت حرب تحرير الكويت. وهكذا تحولت الأرض التي بدت سهلة الاحتلال إلى مصيدة استراتيجية.
سهولة الاقتحام ليست دليلًا على سهولة النصر.
أحيانًا تكون البوابة المفتوحة هي أول جزء في الفخ.
كيف صنعت الحرب جيشين محنّكين؟
لا ينبغي أن نبالغ فنقول إن حرب العراق وإيران جعلت البلدين «أقوى قوتين مطلقتين». الأدق أنها صنعت في كل طرف خبرة قتالية عميقة ومختلفة.
العراق: خبرة الجيش النظامي
بدأ الجيش العراقي الحرب وهو يعتمد على العقيدة النظامية، والمدرعات، والطيران، والمدفعية، والقيادة المركزية. ومع مرور السنوات، اكتسب خبرة في صد الهجمات، وتنظيم الدفاعات المتتابعة، واستخدام النيران الكثيفة، وتنفيذ هجمات واسعة لاستعادة الأراضي.
لكن هذه الخبرة حملت نقاط ضعفها معها.
فالنجاح أمام جيش يواجه حصارًا ونقصًا في المعدات لا يعني القدرة على مواجهة تحالف يمتلك تفوقًا جويًا واستخباراتيًا وإلكترونيًا ساحقًا. كما أن القيادة السياسية شديدة المركزية قد تمنع الضباط من المبادرة، وتحول الجيش الكبير إلى أداة تنفذ قرارًا سياسيًا خاطئًا بكفاءة.
وهنا نصل إلى قاعدة قاسية:
احتراف الجيش لا يستطيع إنقاذ دولة تسيء قيادتها اختيار الحرب.
إيران: خبرة البقاء والحرب غير المتكافئة
دخلت إيران الحرب بعد الثورة واضطراب مؤسساتها العسكرية، وفي ظل تراجع علاقاتها مع موردي السلاح الغربي. لذلك تعلمت، تحت ضغط الضرورة، أن تبني قدرتها بوسائل مختلفة: التعبئة البشرية، والصمود، والتصنيع المحلي التدريجي، وتطوير الصواريخ، واستخدام الزوارق والقدرات البحرية غير التقليدية، ثم بناء شبكات نفوذ وحلفاء خارج حدودها.
لم تكن تلك خبرة انتصار ساحق، بل خبرة بقاء.
ولهذا تطورت العقيدة الإيرانية لاحقًا حول فكرة أن الدولة لا تواجه خصومها فقط على حدودها، بل تبني طبقات من الردع خارجها، وتستخدم الصواريخ والمسيّرات والقوى الحليفة لتوسيع ساحة المواجهة ورفع كلفة الحرب عليها.
لكن لهذه العقيدة أيضًا ثمنًا كبيرًا: العقوبات، والاستنزاف المالي، وتعدد الجبهات، وتوتر العلاقة مع الجوار، وربط أمن الدولة بشبكات قد تضعف أو تتصرف وفق مصالحها الخاصة.
إذن صنعت الحرب مدرستين:
العراق تعلّم كيف يحشد جيشًا ضخمًا…
وإيران تعلّمت كيف توزع قوتها في الإقليم.
لكن كليهما حمل من الحرب وهمًا خطيرًا:
أن النجاة الطويلة تعني القدرة غير المحدودة.
كيف تُنهك الدول القوية؟
الدول لا تُنهى عادةً بضربة واحدة. والحديث عن «إنهاء العراق» أو «إنهاء إيران» يجب أن يُفهم بوصفه تفكيكًا للقوة، لا محوًا للشعوب أو الأوطان.
هناك فارق بين سقوط نظام، وتدمير جيش، وانهيار مؤسسات، وتفكك دولة. العراق لم ينتهِ كبلد ولا كشعب؛ لكن قدرته الاستراتيجية ضُربت عبر مراحل متتابعة:
حرب طويلة مع إيران…
ثم أزمة ديون…
ثم غزو الكويت…
ثم حرب التحالف عام ١٩٩١…
ثم العقوبات…
ثم غزو عام ٢٠٠٣…
ثم حل مؤسسات الدولة والجيش، والفوضى، والطائفية، والإرهاب.
لم تكن حلقة واحدة كافية. لكن الحلقات حين تراكمت، حوّلت قوة إقليمية كبيرة إلى ساحة تتنافس عليها القوى الأخرى.
هذا هو النموذج الحقيقي لاستنزاف الدول:
لا تبدأ العملية بتدمير الجيش، بل بدفع الدولة إلى قرار يتجاوز قدرتها.
ثم يُعزل اقتصادها.
ثم تُستنزف شرعيتها.
ثم تُفصل قوتها العسكرية عن مواردها.
ثم تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
ثم يتحول الانقسام الداخلي إلى مدخل للتدخل الخارجي.
السلاح يستطيع حماية الحدود، لكنه لا يعالج اقتصادًا منهكًا ولا قرارًا سياسيًا مغامرًا ولا مجتمعًا ممزقًا.
الدولة القوية لا تسقط عندما ينفد رصاصها فقط؛ بل عندما تفقد القدرة على التمييز بين معركة تحميها ومعركة تستدرجها.
هل يمكن إسقاط تجربة العراق على إيران؟
المقارنة مغرية، لكنها ليست تطابقًا.
العراق عام ١٩٩٠ كان خارجًا من حرب ثقيلة، مثقلًا بالديون، ومعتمدًا على جيش تقليدي كبير، ثم احتل دولةً ذات سيادة بالكامل. وبذلك قدّم سببًا مباشرًا لتشكيل تحالف دولي واسع حصل على غطاء من مجلس الأمن وأخرجه من الكويت بالقوة.
أما إيران، فهي أكبر مساحةً وسكانًا، وأكثر تعقيدًا جغرافيًا، وتمتلك أدوات ردع وصواريخ وشبكات إقليمية، فضلًا عن موقعها على مضيق هرمز. لذلك فإن محاولة إخضاعها بالطريقة نفسها ستكون أكثر تعقيدًا وكلفة، وقد تفتح حربًا إقليمية طويلة بدل أن تنتج حسمًا سريعًا.
ومع ذلك، فإن أوجه الشبه موجودة في مستوى أعمق:
قوة عسكرية تراكمت تحت ضغط الحرب…
اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة…
توتر دائم مع القوى الكبرى…
وشعور بأن القدرة على تحمّل الضربات تعني القدرة على مواصلة التصعيد بلا حدود.
الخطر على إيران ليس أن تعيد نسخة حرفية من غزو الكويت، بل أن تُستدرج إلى توسع عسكري يجعل خصومها قادرين على جمع تحالف أوسع ضدها، أو يدفعها إلى استهلاك مواردها في جبهات متعددة بينما يزداد الضغط الاقتصادي في الداخل.
لكن القول إن «إيران تُدفع إلى الكويت كي تنتهي» لا يصح من دون دليل مباشر. الصحيح هو أن الكويت قد تظهر في أي مواجهة إيرانية واسعة بسبب موقعها القريب، ومنشآتها الحيوية، وعلاقاتها الأمنية، ووجود قوات أجنبية على أراضيها؛ لا لأنها بالضرورة اختيرت لتكون الطُّعم نفسه الذي كانت عليه في الحالة العراقية.
لماذا الكويت عامل مشترك محتمل؟
الإجابة ليست: الجغرافيا أم الاقتصاد؟
الإجابة: الجغرافيا التي تحمل الاقتصاد، والاقتصاد الذي يستدعي القوة.
لو امتلكت الكويت النفط نفسه في مكان بعيد عن طرق الملاحة والقواعد العسكرية ومراكز التوتر، لتغيّرت قيمتها الاستراتيجية.
ولو احتلت الموقع نفسه بلا موارد ولا بنية تحتية ولا أهمية مالية، لبقيت مهمة، لكن بدرجة أقل.
قوة الكويت الاستراتيجية تأتي من اجتماع ما نادرًا ما يجتمع في دولة صغيرة:
ثروة نفطية كبيرة…
موقع عند رأس الخليج…
قرب مباشر من العراق وإيران والسعودية…
موانئ ومنشآت حيوية…
وصلات أمنية دولية…
وذاكرة تاريخية تجعل أي تهديد لها قادرًا على تحريك المنطقة والعالم بسرعة.
لهذا كانت الكويت في ١٩٩٠ أكثر من جار عراقي.
ولهذا يمكن أن تصبح، في أي حرب إقليمية واسعة، أكثر من دولة محايدة صغيرة.
إنها تقع فوق نقطة التقاء المصالح.
وفي الجغرافيا السياسية، لا تكون أخطر المواقع دائمًا هي الأكبر مساحةً…
بل أكثرها ازدحامًا بالمصالح.
الفرضية الأعمق: هل تُهدم قوى المنطقة واحدةً بعد أخرى؟
هناك من ينظر إلى تاريخ المنطقة فيرى نمطًا متكررًا:
تُترك القوة الإقليمية لتتضخم عسكريًا…
ثم تُستنزف في حرب طويلة…
ثم تُدفع أو تنزلق إلى قرار كارثي…
ثم تتدخل القوى الكبرى تحت عنوان استعادة التوازن أو حماية الأمن الدولي…
فتخرج المنطقة أضعف، بينما تبقى أسواق السلاح والطاقة والتحالفات الخارجية أقوى حضورًا.
هذه قراءة ممكنة، لكنها ليست برهانًا على وجود غرفة واحدة أدارت كل الأحداث.
فالتاريخ أكثر تعقيدًا من المؤامرة الواحدة.
القوى الدولية تستغل الأخطاء، نعم.
وقد تشجع طرفًا أو تغض الطرف عنه، ثم تغير موقفها عندما تتبدل مصالحها، نعم.
لكن القائد الذي يتخذ قرار الغزو ليس بلا إرادة، والدولة التي ترفض التسوية ليست مجرد قطعة شطرنج بريئة. المؤامرة، حين تُستخدم لتفسير كل شيء، تمنح صناع الكوارث إعفاءً مجانيًا من مسؤوليتهم.
الأدق أن نقول:
الخارج يصنع الفرصة… لكن القرار الداخلي قد يفتح لها الباب.
العراق لم يُهزم لأن الآخرين أرادوا إضعافه فقط؛ بل لأن قيادته نقلته من حرب خرج منها منهكًا إلى غزو جعل ضده تحالفًا عالميًا.
وإيران لا يهددها خصومها وحدهم؛ بل يهددها أيضًا احتمال أن تخلط بين الردع والتوسع، وبين الصبر الاستراتيجي والثقة المفرطة، وبين امتلاك أوراق القوة والقدرة على استخدامها كلها في الوقت نفسه.
الخلاصة
حرب العراق وإيران لم تصنع منتصرًا.
صنعت جيشين خبيرين، وشعبين مثقلين، واقتصادين جريحين، وقيادتين خرجتا من الحرب تحملان ذاكرة الصمود.
العراق قرأ صموده بوصفه تفويضًا للقوة، فاتجه إلى الكويت، وهناك لم يجد مجرد دولة صغيرة، بل وجد خلفها شبكة المصالح الدولية كلها.
فالكويت لم تكن الهدف الأسهل فقط…
كانت النقطة التي اجتمع عندها النفط والديون والحدود والموانئ وهيبة النظام الدولي.
ومن هنا يمكن صياغة الفكرة في عبارتها الأشد قوة:
حاربت إيرانُ العراقَ ثماني سنوات، فصنعت الحرب جيشين يعرفان كيف يواجهان الموت؛ لكنها تركت وراءها دولتين تحتاجان إلى من يعلّمهما كيف تنجوان من وهم القوة.
ثم دخل العراق الكويت، ظانًّا أنه يطوي صفحة الديون…
ففتح صفحة انهياره الاستراتيجي.
واليوم، لا يكون السؤال الحقيقي: هل يتكرر التاريخ بالحروف نفسها؟
بل:
هل تعلّمت قوى المنطقة أن الدولة لا تُهزم حين يقل سلاحها… وإنما حين يُستخدم سلاحها لدفعها إلى المعركة التي اختارها لها خصومها؟
الكويت لم تكن مجرد أرض بين قوتين.
كانت المرآة التي ظهر فيها الفارق بين امتلاك الجيش…
وامتلاك البصيرة.
وبين القدرة على بدء الحرب…
والقدرة على معرفة الحرب التي يجب ألّا تبدأ.
مع تحياتي ..
نعمة حسن





