الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

فَرْقٌ بَيْنَ الْمَكَانِ وَالْمَكَانَةِ

فَرْقٌ بَيْنَ الْمَكَانِ وَالْمَكَانَةِ
بقلم: نعمة حسن
ليس أخطر ما يخطئ فيه الناس أن يخلطوا بين الحق والباطل، ولا بين النجاح والفشل، بل أن يخلطوا بين المكان والمكانة.
ومن يوم وقع هذا الخلط، تغيرت مقاييس البشر.
صار كثيرون يظنون أن الوقوف في المكان الصحيح يعني أنهم أصبحوا الأشخاص الصحيحين، وأن الجلوس على المقعد الرفيع يرفع الجالس، وأن ازدحام الوجوه حول الإنسان شهادة على قيمته. ولم ينتبهوا إلى أن المكان لا يصنع أحدًا، وإنما يكشفه.
فالمكان يشبه الضوء.
لا يخلق ملامح الوجه، وإنما يجعلها أكثر وضوحًا.
فإذا وقف فيه صاحب علم، ظهر علمه.
وإذا وقف فيه صاحب فراغ، انكشف فراغه.
ولهذا كانت الأماكن الكبيرة أكثر قسوة من الأماكن الصغيرة؛ لأنها لا تمنح الإنسان قيمةً إضافية، بل تنتزع عنه كل قيمةٍ ادعاها ولم يمتلكها.
تأمل التاريخ.
كم من رجلٍ دخل قصرًا فخرج منه مجهولًا.
وكم من آخر دخل كوخًا فخرج منه تاريخًا.
لم يكن الفرق في الجدران…
كان الفرق في الإنسان.
إن الإنسان الضعيف لا يبحث أولًا عن بناء نفسه، بل يبحث عن مكان يختبئ فيه. فإذا عجز عن أن يكون صاحب فكرة، اكتفى بأن يكون عضوًا في جماعة. وإذا لم يجد ما يميزه، استعان بعدد الواقفين إلى جواره. وإذا لم يستطع أن يصنع احترامًا، حاول أن يصنع رهبة. وهكذا تتحول الكثرة، عند بعض الناس، من تعاونٍ محمود إلى وسيلة لتعويض نقصٍ لم ينجحوا في معالجته داخل أنفسهم.
ولذلك ترى بعض المجالس صاخبة، لكنها خاوية.
وترى بعض الأسماء لامعة، لكنها لا تترك أثرًا.
وترى بعض المناصب عالية، لكنها لا ترفع أصحابها.
لأن القيمة لا تنتقل بالعدوى.
ولا تُستعار من الجماعة.
ولا تُورثها المقاعد.
كل إنسان يحمل وزنه الحقيقي في داخله، ثم يأتي المكان ليكشفه.
ولهذا يحدث المشهد الذي يحير الناس.
يجلس عشرات الأشخاص في مكان واحد، ساعاتٍ طويلة، فلا يتركون في الذاكرة شيئًا.
ثم يدخل إنسان واحد.
لا يتعمد أن يلفت الأنظار.
ولا يبحث عن مركز الحديث.
ولا يعلن عن نفسه.
ومع ذلك، يتغير ميزان المجلس كله.
ليس لأن الحاضرين أصبحوا أقل، بل لأنهم أصبحوا يقارنون، ولو من غير قصد، بين من بنى نفسه سنوات، ومن قضى سنواته يبحث عن مكانةٍ سريعة في مكانٍ مرتفع.
وهنا يكمن السر الذي يغيب عن كثيرين…
المكانة لا تُصنع لحظة الوصول.
بل تُصنع في السنوات التي لم يكن يراك فيها أحد.
في كتابٍ قرأته ولم يصفق لك أحد.
وفي موقفٍ دفعت ثمنه ولم يعلم به أحد.
وفي خطأٍ اعترفت به ولم تُلقِ به على غيرك.
وفي عادةٍ قاومتها.
وفي علمٍ تعلمته.
وفي خلقٍ تمسكت به حين كان التخلي عنه أسهل.
هذه هي الورشة الخفية التي تُصنع فيها المكانة.
أما المكان…
فقد تمنحه لك الظروف.
وقد تمنحه لك العلاقات.
وقد تمنحه لك المصادفات.
لكنها كلها أشياء تستطيع أن تأتي كما جاءت… ثم ترحل.
وإذا رحلت، بقي السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على مواجهته:
ماذا بقي منك؟
إن الإنسان الذي بنى مكانته، لا يخاف أن يفقد مكانه؛ لأنه يعرف أن قيمته ستسبقه إلى أي مكان آخر.
أما الذي بنى حياته كلها على المكان، فإنه يعيش أسيرًا له؛ يخشى فقده، ويتمسك به، ويظن أن سقوط الكرسي سقوطٌ له، لأنه لم يكتشف يومًا أن الكرسي كان يحمل اسمه، لا أن اسمه هو الذي حمل الكرسي.
ولذلك لا تقاس قيمة الإنسان بعدد من يقفون خلفه.
فالجموع قد تجتمع حول باطل، وقد تتفرق عن حق.
ولا تقاس بما يملك من ألقاب.
فكم من لقبٍ مات بموت صاحبه.
ولا بما يجلس عليه.
فالمقاعد تتبدل، واللافتات تُغيَّر، والأبواب تُغلق.
أما المكانة…
فهي الشيء الوحيد الذي يسافر مع الإنسان حيثما ذهب.
قد يخسر منصبه.
وقد يخسر ماله.
وقد يخسر شهرته.
لكن إذا بقيت مكانته، استطاع أن يبدأ من جديد.
أما إذا خسر مكانته، فلن تنقذه كل الأماكن التي يصل إليها.
لهذا، لا ينبغي أن يكون سؤال العمر:
أين أقف؟
بل:
من أكون إذا وقفت؟
فبين السؤالين…
عمرٌ كامل.
وبين الكلمتين…
فرقٌ يصنع مصير الإنسان كله.
مع تحياتي ..
نعمه حسن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى