الأسبوع العربيخاطرة

ضريبة الطيبة في زمن المصالح

ضريبة الطيبة في زمن المصالح
بقلم: ريمون عصام خليل
هل تحولت الطيبة في زماننا من “فطرة إنسانية” إلى “عبء اجتماعي”؟ سؤال بات يطرح نفسه بقوة على طاولة الحوار الإنساني في عام 2026. ففي ظل تسارع وتيرة الحياة وطغيان المادة، أصبح أصحاب القلوب النقية يدفعون ضريبة باهظة مقابل نقائهم، وكأن النبل صار عملة لم تعد تتداولها الأسواق الحديثة.
إننا نشهد اليوم تحولاً خطيراً في موازين التعامل الإنساني؛ حيث بدأت “لغة المقايضة” تحل محل “لغة المودة”. أصبح البعض لا يرى في الآخر إلا ما يمكن أن يجنيه منه من مصلحة أو منفعة، فإذا ما انتهت تلك المصلحة، تبخرت معها الابتسامات والوعود. وفي هذا المناخ الجاف، يُنظر إلى الإنسان الطيب أحياناً على أنه شخص “خارج السياق”، أو كأن نقاءه ضعف، وصمته عجز، وتسامحه سذاجة.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال، هي أن الطيبة ليست ضعفاً كما يتصور الواهمون. إنها أقصى درجات القوة النفسية؛ فأن تظل محتفظاً بنقاء قلبك في عالم يغمره الجفاء، هي “بطولة” لا يقدر عليها إلا الأقوياء حقاً. ضريبة الطيبة قد تكون “عزلة مؤقتة” أو “خذلاناً من قريب”، لكن أرباحها هي التصالح مع الذات، والنوم بضمير مستريح، وترك أثر لا يمحوه الزمن.
إن الذين يحسبون كل شيء بميزان “المصلحة” يخسرون أثمن ما يملكون: “إنسانيتهم”. فالإنسان الذي يعيش لأجل منفعة فقط، ينتهي بمجرد انتهائها، أما صاحب الأثر الطيب فإنه يزرع في كل مكان يمر به بذرة صالحة، ستنبت يوماً حتى وإن لم يشهد هو ثمارها.
رسالتي لكل من يشعر بالخذلان بسبب طيبته: لا تندم أبداً على نبل أخلاقك، ولا تحاول أن تتقمص قسوة ليست فيك لكي تنجو. العالم لا يحتاج لمزيد من القساوة، بل يحتاج لأمثالك لكي يظل صالحاً للسكن الآدمي. وسامك الحقيقي ليس في ثناء الناس، بل في أنك ما زلت تمتلك قلباً ينبض بالخير في زمن قست فيه القلوب.
المصالح تنتهي، والوجوه تتغير، والعلاقات الهشة تتداعى عند أول اختبار، ويبقى “ريمون عصام خليل” ليذكركم دوماً: أن الطيبة هي الجوهر الذي لا يصدأ، وهي البصمة الوحيدة التي لا يمكن تزويرها في سجلات الأيام.
بقلم: ريمون عصام خليل
كاتب القصص الإنسانية والاجتماعية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى