
حكم تاريخي للمحكمة الاداريه العليا:
كتب : عطيه ابراهيم فرج
توكيل “البيع للنفس” عقد ملزم لا يُلغى بالإرادة المنفردة
في حكم يُعد نقطة تحوّل في استقرار المعاملات العقارية، حسمت المحكمة الإدارية العليا النزاع القانوني الممتد حول إمكانية إلغاء توكيلات “البيع للنفس والغير” من طرف واحد، لتؤكد أن هذا التوكيل يصبح عقداً ملزماً وأبدياً لا يجوز فسخه إلا باتفاق الطرفين.
أصل النزاع والقضية المثارة :
تعود جذور القضية إلى مواطن حرر لزوجته توكيلاً رسمياً عاماً (رقم 8737 لسنة 2002 بتوثيق المعادي) يمنحها حق “البيع للنفس والغير” والتعامل مع البنوك. وبعد سنوات، حاول الزوج التراجع وإلغاء التوكيل بمفرده، إلا أن مكتب الشهر العقاري رفض طلبه نظراً لطبيعة التوكيل الحاوية على هذا الشرط الخاص.
المسار القضائي والطعن :
أقام الزوج دعوى قضائية يطالب فيها بإلغاء قرار مكتب الشهر العقاري الرافض لإجراء الإلغاء، وخسر دعواه في محكمة القضاء الإداري. ولم يقبل بالهزيمة، فطعن على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، والتي كان لها الحكم الفاصل والتاريخي.
المبادئ القانونية التي أرستها المحكمة :
في حيثيات حكمها البات، أرسَت المحكمة عدداً من المبادئ الجوهرية التي تحكم استقرار التعاملات العقارية:
1. مصلحة الوكيل والغير: قررت المحكمة أنه بمجرد صدور الوكالة لصالح الوكيل نفسه (كحق البيع للنفس) أو لصالح أجنبي (الغير)، فإنها تخرج من نطاق الوكالة البسيطة القابلة للإلغاء الأحادي، ولا تنتهي إلا برضا الطرفين.
2. شريعة المتعاقدين وحرمة العقود: اعتبرت المحكمة أن مثل هذا التوكيل يتحول إلى “عقد ملزم” يتضمن حقاً أو مصلحة مستقرة للطرف الآخر، وبالتالي يحظى بحماية قانونية تمنع التنصل منه من جانب واحد.
3. استقرار المعاملات وحماية التعامل: يهدف الحكم إلى وضع حد للعبث بالحقوق ومحاولات النصب أو التراجع غير المشروع عن الالتزامات الرسمية بعد حصول الوكيل أو الأجنبي على حقوقه بناء على هذا التوكيل.
تداعيات الحكم على المعاملات العقارية :
يُتوقع أن يكون لهذا الحكم التاريخي آثار بالغة على الممارسات في مكاتب الشهر العقاري والمتعاملين في السوق العقاري:
· قطع الطريق على النصب: يضع الحكم حداً لمحاولات بعض الموكّلين التنصل من عقود بيع أو تعاملات تمت بالفعل بناء على توكيل سليم، عبر المطالبة بإلغائه لاحقاً.
· الوضوح والاستقرار: يمنح الحكم درجة عالية من اليقين والاستقرار القانوني للمشتري أو الوكيل، مطمئناً إياهم أن حقوقهم المكتسبة بمقتضى التوكيل الرسمي محمية ولا يمكن إلغاؤها فجأة.
· توعية المواطنين: يحث الحكم المواطنين على الدراية والحرص الشديد قبل تحرير أي توكيل يتضمن صلاحيات واسعة مثل “البيع للنفس”، إذ أن آثاره تكون طويلة المدى وملزمة.
نصر للعدالة واستقرار السوق :
يُمثل حكم المحكمة الإدارية العليا انتصاراً لمبدأ استقرار المعاملات وحماية الحقوق المكتسبة، ويعيد التوازن إلى التعاملات العقارية ويؤكد حرمة الالتزامات التعاقدية الرسمية. وهو قرار من شأنه تعزيز الثقة في الأوراق الرسمية الموثقة، والحد من النزاعات التي تنشأ عن محاولات إلغاء التوكيلات بالإرادة المنفردة، ليضع معياراً قانونياً واضحاً يحمي أطراف التعامل العقاري من التقلبات والمخاطر غير المتوقعة.





