الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

عبودية الشغف: كيف أصبح الإرهاق شرفاً؟

عبودية الشغف: كيف أصبح الإرهاق شرفاً؟

بقلم: مجدي غلاب

هل تذكر متى كانت آخر مرة جلست فيها بصمت، دون أن تفعل أي شيء على الإطلاق، ولم تشعر بوخز الذنب يمزق صدرك؟
متى كانت آخر مرة استلقيت فيها على ظهرك تتأمل السقف، دون أن يهمس لك عقلك بأنك “تضيع وقتك” وتتخلف عن الركب؟
إذا كنت لا تتذكر، فأهلاً بك في أكبر سجن نفسي واجتماعي في العصر الحديث؛ سجن أبوابه مفتوحة، لكن لا أحد يجرؤ على المغادرة.
نحن نعيش اليوم في عصر “عبودية الإنتاجية”، حيث تم اختطاف عقولنا لبرمجتها على كذبة كبرى تُسمى ثقافة “العمل المستمر” (Hustle Culture).
لقد تحول الإرهاق من كونه ناقوس خطر بيولوجي يطلقه الجسد طلباً للنجدة، إلى “وسام شرف” نعلقه على صدورنا ونتباهى به أمام الآخرين.

تأمل المشهد اليومي حولك؛ افتح أي منصة مهنية أو اجتماعية، وستجد سيلاً من التفاخر المرضي بتدمير الذات.
الجميع يتسابقون في إثبات من ينام ساعات أقل، ومن يعمل تحت ضغط أكبر، ومن يضحي بحياته الشخصية من أجل “الكيان”.
تجد نفسك مدفوعاً لضبط إيقاع يومك على ساعات الليل المتأخرة، طالباً ذروة التركيز المعرفي في وقت سكون العالم.
تقف في المطبخ منتصف الليل، تراقب استخلاص قهوتك ببطء في وعاء “الموكا”، وتضبط كيمياء الكافيين بدقة لتجبر جهازك العصبي على البقاء مستيقظاً لساعات إضافية.
أنت تظن في هذه اللحظة أنك بطل قصة نجاحك، وأنك تدفع ضريبة “الشغف”، لكنك في الحقيقة تدفع ضريبة استهلاكك كترس في آلة رأسمالية لا ترحم.
لقد تم تشويه مصطلح “الشغف” عمداً، ليتحول من قوة روحية دافعة وممتعة، إلى مبرر أنيق للاستغلال الذاتي والعمل المجاني المفرط.

في أروقة دراستنا وتعمقنا في علم النفس الإكلينيكي، نحن لا نرى في هذه الظاهرة “طموحاً”، بل نرى “انتحاراً بطيئاً”.
من الناحية العصبية والبيولوجية، الجسد البشري لم يُصمم قط ليكون آلة تعمل بنظام التشغيل المستمر (24/7).
أدمغتنا مبرمجة تطورياً على دورات من “الجهد” يتبعها حتماً دورات من “التعافي العميق”.
عندما تحرم جسدك من الراحة باسم الشغف، فإنك تضع جهازك العصبي السمبثاوي في حالة طوارئ دائمة (كر وفر).
يبدأ الدماغ في إغراق مجرى الدم بهرمون “الكورتيزول” (هرمون التوتر) بشكل مزمن، وهو ما يعادل تقنياً إبقاء محرك سيارتك يعمل بأقصى سرعة وهو متوقف في مكانه.
النتيجة الحتمية التي نراها في العيادات النفسية اليوم هي الانهيار التام: القلق المعمم، نوبات الهلع، وما يُعرف سريرياً بـ “متلازمة الاحتراق النفسي” (Burnout).
الاحتراق ليس مجرد “تعب عابر”، بل هو تلف حقيقي في القدرة الإدراكية، حيث ينطفئ الشغف تماماً، ويتحول الإنسان إلى هيكل فارغ فاقد للمعنى والقدرة على الشعور.

المأساة الكبرى في هذه الثقافة السامة هي أنها أعادت تعريف “قيمتنا الإنسانية” بناءً على معيار واحد فقط: حجم الإنتاج.
أقنعونا بأنك “تساوي ما تنتجه”، فإذا توقفت عن الإنتاج ليوم واحد، شعرت بالدونية وانعدام القيمة.
لقد جردونا من إنسانيتنا الفطرية، وأنسونا الحقيقة الكونية والدينية البسيطة التي تقر بأن “لبدنك عليك حقاً”.
هذا الحق ليس منحة أو مكافأة تحصل عليها فقط عندما تنهي مهامك بامتياز، بل هو استحقاق بيولوجي وروحي غير مشروط.
الراحة، النوم العميق، الفراغ، والتأمل، هي المساحات المقدسة التي تعيد فيها الروح ترتيب أوراقها، ويصلح فيها الدماغ خلاياه التالفة.

إن محاربة هذه العبودية الرقمية والمهنية تتطلب ثورة إدراكية حقيقية تبدأ من داخل عقلك.
يجب أن نسقط تلك الأوسمة الزائفة التي نمجد بها الإرهاق والتعب المفرط.
النجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى القمة وأنت محمول على نقالة الإسعاف بسبب سكتة قلبية أو انهيار عصبي.
النجاح هو أن تصل إلى أهدافك وأنت بكامل صحتك النفسية، قادراً على الاستمتاع بما حققته مع من تحب.
يجب أن نتعلم ممارسة “الرفض الودي”، وأن نضع حدوداً صارمة تحمي أوقات راحتنا بشراسة كما نحمي أموالنا.

في الختام، المسميات تتغير، وأنماط الحياة تتبدل، لكن القوانين البيولوجية والنفسية الثابتة لا تحابي أحداً.
قد تخدع جسدك لبعض الوقت، وقد تتخفى خلف مسميات وأقنعة كما يُكتب هذا المقال تحت اسم مستعار لجذب انتباهك.
لكن في نهاية المطاف، الحقيقة تفرض نفسها؛ الروح التي تكتب لك الآن، والكيان الإنساني الذي يتلقى الكلمات، يخضعان لنفس قوانين الضعف والقوة.
لا تدعهم يسرقون عمرك وصحتك تحت شعار الشغف الزائف.
الراحة ليست جريمة، والإرهاق المستمر ليس دليلاً على الأهمية، بل هو دليل على سوء الإدارة القاتل للحياة.

مع خالص تحياتي، وصدق كلماتي،
مجدي عبد البصير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى