الأسبوع العربيالأسرة والطفلالتكنولوجيا الحديثةمقالاتمنوعات

كيف حولتنا التنمية البشرية لمرضى وهميين؟

كيف حولتنا “التنمية البشرية” إلى مرضى وهميين؟

بقلم: مجدي غلاب

هل لاحظت مؤخراً أن الجميع من حولك أصبحوا فجأة “شخصيات سامة” (Toxic)؟
وأن كل مدير حازم في العمل أصبح “نرجسياً” يستنزف طاقتك؟
وأن أي ذكرى طفولة مزعجة تحولت بين ليلة وضحاها إلى “تروما” (Trauma) تحتاج إلى سنوات من التعافي؟
إذا كنت تلاحظ هذا التضخم المرعب في استخدام المصطلحات النفسية في حياتنا اليومية، فأنت لست وحدك.
نحن نعيش اليوم في قلب أكبر عملية “غسيل دماغ جماعي” تقودها صناعة تبلغ أرباحها مليارات الدولارات: صناعة التنمية البشرية و”اللايف كوتشينج” (Life Coaching).
هذه الصناعة التي أوهمت جيلاً كاملاً بأن الأصل في الحياة هو “السعادة الدائمة”، وأن أي شعور بالحزن أو الضغط هو حالة مرضية يجب استئصالها فوراً.

في الماضي القريب، كان الإنسان يواجه مصاعب الحياة بصلابة طبيعية.
كان يحزن لفقدان عزيز، أو يغضب لفشل مشروع، أو يتوتر قبل امتحان مهم، ويمضي في حياته مدركاً أن هذه المشاعر هي ضريبة طبيعية لكونه إنساناً يتنفس.
لكن فجأة، غزت شاشاتنا جيوش من المحللين غير المؤهلين، وصناع المحتوى، ومروجي الإيجابية المفرطة.
بدأوا يهمسون في عقول الشباب والفتيات: “أنت تستحق أن تكون سعيداً 24 ساعة يومياً!”، “ابتعد عن أي شخص يسبب لك أدنى إزعاج من أجل سلامك النفسي!”.
وهكذا، وباسم “حماية المساحة الشخصية”، تم تبرير التهرب من المسؤوليات.
وباسم “حماية الطاقة”، أصبح الانسحاب من العلاقات المعقدة (Ghosting) بديلاً عن تعلم مهارات المواجهة والنقاش وتجاوز الخلافات.

دعونا نُشرّح هذه الجريمة المكتملة الأركان بمشرط علم النفس الإكلينيكي الرصين.
من الناحية العلمية، الدماغ البشري لم يُصمم ليكون “سعيداً” طوال الوقت، بل صُمم لكي “ينجو”.
المشاعر السلبية مثل القلق، والتوتر، والحزن، هي في الحقيقة أجهزة إنذار بيولوجية شديدة التطور.
القلق هو ما يدفعك للعمل بجدية قبل تسليم مهامك، والحزن هو مساحة التعافي التي يحتاجها عقلك لإعادة ترتيب أوراقه بعد الخسارة.
عندما يقوم مروجو “الإيجابية السامة” بشيطنة هذه المشاعر الطبيعية، فهم يعطلون جهاز المناعة النفسي لديك.
النتيجة الإكلينيكية المرعبة التي نراها اليوم في العيادات؟
جيل كامل يعاني من “الهشاشة النفسية” (Psychological Fragility).
جيل ينكسر عند أول توبيخ من مديره في العمل، وينهار عند أول خلاف طبيعي مع شريك حياته، ويسارع لتشخيص نفسه بأعقد الاضطرابات النفسية لمجرد أنه يشعر بالملل!

لقد تم اختطاف قاموس الطب النفسي وتفريغه من مضمونه العلمي ليتحول إلى “أسلحة هجومية” في العلاقات اليومية.
لم يعد الشاب يعترف بأنه أخطأ أو تقاعس، بل يبرر ذلك بأنه يمر بـ “فترة احتراق نفسي” (Burnout).
ولم تعد الفتاة تناقش عيوب خطيبها بموضوعية، بل تسارع لتشخيصه كـ “مختل نرجسي” بمجرد أن يرفض لها طلباً.
استخدام هذه المصطلحات الثقيلة يمنح المخطئ إعفاءً فورياً من تحمل المسؤولية؛ فالمرضى لا يُلامون، بل يُعذرون!
هكذا تحولت “التنمية البشرية” من أداة لتحسين الذات، إلى مصنع ضخم ينتج ضحايا وهميين يبحثون عن الجناة في كل مكان، باستثناء المرآة.

إن الوهم الأكبر الذي يباع لنا اليوم هو خرافة “النسخة الأفضل من نفسك”.
هذا السباق المحموم نحو المثالية النفسية والجسدية والمهنية لا ينتج سوى القلق المزمن والشعور الدائم بالدونية.
يجب أن ندرك أن الألم، والإحباط، والفشل، والملل، هي مكونات أصلية في شيفرة الحياة البشرية.
الصلابة النفسية الحقيقية لا تعني أن تهرب من كل مصدر للضغط وتختبئ في فقاعة “السلام النفسي” المزعوم.
الصلابة الحقيقية (Resilience) هي أن تقف في وجه العاصفة، وتتلقى الضربات، وتحزن، وتتألم، ثم تنهض في اليوم التالي لتكمل مسيرتك بقلب أكثر حكمة وعقلاً أكثر نضجاً.

في النهاية، يجب أن نسترد حقنا في أن نكون بشراً عاديين.
بشراً يخطئون ويصيبون، يضعفون ويقوون، بلا فلاتر نفسية، وبلا تشخيصات معلبة مستوردة من مقاطع الفيديو السريعة.
لا تدع تجار “الإيجابية” يقنعونك بأنك مريض أو هش لمجرد أنك تتألم من قسوة الحياة.
ألمك هو الدليل القاطع على أنك حي، ومقاومتك لهذا الألم هي ما ينحت شخصيتك الحقيقية.
انزعوا عنكم هذه التشخيصات الوهمية، وتوقفوا عن استهلاك النصائح النفسية السريعة كالوجبات الجاهزة.
فالأفق الحقيقي للنجاة يبدأ حين تتقبل ضعفك البشري، وتواجه واقعك بشجاعة، بدلاً من الاختباء خلف مسميات طبية لا تفقهون عنها شيئاً.

مع خالص تحياتي، وصدق كلماتي،
مجدي عبد البصير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى