أخبارأخبار الأسبوعثقافةدنيا ودين

الوعي..وسورة الكهف

الوعي..وسورة الكهف

بقلم..مروة فؤاد

 

مقدمة

 

في زمنٍ تتسابق فيه المنصات على سرقة انتباهنا، وتتحول فيه أعمارنا إلى تمريراتٍ صامتة على شاشاتٍ لا تنتهي، يصبح السؤال عن “الوعي” ليس ترفًا فلسفيًا، بل ضرورة وجودية. ولأن القرآن الكريم كتابٌ يخاطب كلَّ زمانٍ بلسان أهله، فإننا حين نعود إلى سورة الكهف، لا نقرأ قصةً غابرة، بل نرى مرآةً تعكس حالنا بدقةٍ مُربِكة.

 

 

 

أولًا: أصحاب الكهف.. لم يكونوا نيامًا بالمعنى الذي نظن

 

يقول الله تعالى في محكم تنزيله:

 

﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:

 

تأمّل هذه الآية جيدًا. لم يقل سبحانه: “وهم نائمون”، بل قال: *”وهم رقود”. والفرق دقيقٌ وعميق. الرقود في لسان العرب يُشبه السكون الظاهري مع غياب الفعل والإدراك، بينما تحسبهم أيقاظًا: أعينهم قد تكون مفتوحة، أجسادهم تتقلب، ملامحهم توحي بالحياة، لكن *الوعي غائب*

 

إنهم ليسوا موتى، وليسوا أحياء بالمعنى الكامل. هم في منطقةٍ وسيطة: حضورٌ جسدي، وغيابٌ إدراكي. نُزِعَ منهم الوعي، فصاروا موجودين بلا وجود، حاضرين بلا حضور.

 

ثم تأمل: **”ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال”**. هناك حركة، هناك تغيّر في الوضع، هناك ما يبدو من الخارج كأنه نشاط. لكن صاحب الحركة لا يعيها، لا يختارها، لا يشعر بها. جسده يتقلب، وروحه في عالمٍ آخر.

 

أليس هذا هو الوصف الأدقّ لحالنا اليوم؟

 

 

ثانيًا: الكهف الجديد.. شاشاتٌ لا تُغلق

 

لم يعد الكهف مغارةً في جبل. صار الكهف هاتفًا في يدك، وشاشةً أمام عينيك، وخوارزميةً تعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك.

 

الريلز، والتيك توك، والتمرير اللانهائي على وسائل التواصل الاجتماعي، كلها أدواتٌ صُمِّمت بعنايةٍ هندسيةٍ لتحقيق هدفٍ واحد: **نزع وعيك دون أن تشعر**.

 

– **تحسبهم أيقاظًا:** أنت تمسك هاتفك، عيناك مفتوحتان، إصبعك يتحرك، عقلك يستقبل صورًا وأصواتًا. من يراك من الخارج يقول: هذا إنسانٌ مستيقظ، نشط، متفاعل.

 

– **وهم رقود:** لكنك في الحقيقة لا تفكّر، لا تختار، لا تتخذ قرارًا. أنت في حالة استقبالٍ سلبي، تمرّ عليك الساعات كأنها دقائق، وتخرج من الجلسة بلا أثرٍ حقيقي، بلا فكرةٍ نضجت، بلا قرارٍ اتُّخذ.

 

– **ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال:** الخوارزمية تقلّبك بين محتوى وآخر. مرةً فيديو طهي، ثم مقطع كوميدي، ثم خبر مأساوي، ثم رقصة، ثم محاضرة. أنت تتقلب، لكنك لا تمشي. تتحرك، لكنك لا تتقدم.

 

 

 

ثالثًا: الفرق بين النوم ونزع الوعي

 

النوم الطبيعي رحمةٌ من الله، فيه راحة للجسد وترميمٌ للعقل. لكن ما يحدث مع الاستهلاك الرقمي المفرط ليس نومًا، بل هو *نوعٌ من التخدير الإدراكي*

 

في النوم، العقل يعيد تنظيم نفسه، يحفظ الذكريات، يفرز الهرمونات. أما في حالة “التمرير اللانهائي”، فالعقل يدخل في حالةٍ تشبه التنويم: موجاتٌ دماغية خاملة، انتباهٌ سطحي، وإحساسٌ زائفٌ باليقظة.

 

أصحاب الكهف ناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، لكنهم حين استيقظوا، استيقظوا بوعيٍ كامل، بسؤالٍ، بدهشةٍ: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾. كان فيهم عقلٌ يسأل، ووعيٌ يستغرب، وإرادةٌ تتحرك.

 

أما نحن، فنمضي ساعاتٍ يوميًا في كهوفنا الرقمية، وحين “نستيقظ” — أي نغلق الهاتف — لا نسأل، لا نتعجب، لا نتحرك. نفتح الهاتف مرةً أخرى. كأن الوعي نُزع ولم يَعُد.

 

 

 

رابعًا: لماذا اختار القرآن سورة الكهف لهذا المعنى؟

 

سورة الكهف ليست مجرد قصة. إنها **منظومة وعي متكاملة*

 

– **فتية الكهف** اختاروا الوعي في زمن الغفلة. قالوا: “ربنا رب السماوات والأرض”، في مجتمعٍ كان الجميع فيه “رقودًا” على وثنيته.

– **صاحب الجنتين** كان فاقدًا للوعي بنعمة الله، يحسب أنه أيقظٌ بعقله وماله، وهو في رقودٍ روحي عميق.- **موسى والخضر** عليهما السلام: درسٌ في أن الوعي البشري محدود، وأن هناك أبعادًا للواقع لا يدركها إلا من أوتي علمًا أعمق.

– **ذو القرنين:** نموذج الوعي الفعّال، الذي يرى المشكلة ويبني لها سدًّا، لا يجلس يتفرج.

 

السورة كلها تدور حول محورٍ واحد: **الوعي مقابل الغفلة، الاختيار مقابل الانقياد، الحضور مقابل الرقود**.

 

 

 

خامسًا: كيف نستعيد وعينا؟

 

لا أدعو إلى تحطيم الهواتف ولا إلى مقاطعة التقنية. فالقرآن لم يذمّ النوم، بل ذمّ الرقود الدائم. لكنني أدعو إلى ما يشبه ما فعله فتية الكهف:

 

*. العزلة الواعية:* كما اعتزل الفتية قومهم ليحفظوا وعيهم، نحتاج إلى فتراتٍ نعتزل فيها الضجيج الرقمي. ليس هروبًا، بل عودةً إلى الذات.

 

*. السؤال قبل التمرير:* قبل أن تفتح التطبيق، اسأل: لماذا؟ ماذا أريد؟ هل أنا أختار هذا أم الخوارزمية تختار لي؟

 

*. التقلب الواعي* إن كنت ستستهلك محتوى، فليكن باختيارك لا بانقيادك. اقرأ، تعلّم، فكّر. كن صاحب قرارٍ فيما يدخل عقلك.

 

* اليقظة بعد الرقود:* اجعل لنفسك لحظةً بعد كل جلسة رقمية تسأل فيها: ماذا استفدت؟ هل تغيّر فيّ شيء؟ أم أنني تقلبتُ ذات اليمين وذات الشمال دون أن أشعر؟

 

 

خاتمة

 

إن أخطر ما في نزع الوعي أنه لا يُشعَر به. صاحب الكهف النائم لا يعلم أنه نائم. والمنزوع وعيه لا يدري أن وعيه منزوع. ولهذا كانت الآية بهذا الأسلوب: “وتحسبهم أيقاظًا”. أنت تحسب، تظن، تتوهم أنك واعٍ. لكن الحقيقة في مكانٍ آخر.

 

القرآن الكريم لم يذكر قصة أصحاب الكهف لتكون حكايةً تُروى، بل لتكون *إنذارًا دائمًا* احذر أن تكون حاضر الجسد، غائب الروح. احذر أن تتقلب ذات اليمين وذات الشمال وأنت تحسب أنك تمشي.

 

 

 

الوعي أمانة. والرقود الاختياري في كهوف الشاشات ليس راحة، بل هو غفلةٌ مُغلَّفةٌ بالترفيه.

 

فاستيقظ. قبل أن تمرّ ثلاثمائة سنين وأنت لم تعش يومًا واحدًا بوعيٍ كامل.

 

 

 

*نحن في زمنٍ أصبح فيه الوعي فعل مقاومة، واليقظة عبادة.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى