أخبار

غائبون ومازالوا حاضرين

غائبون ومازالوا حاضرين

غائبون ومازالوا حاضرين

بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان

(نجاح رضوان)

الغياب، في جوهره العميق، ليس مجرد ثقبٍ أسود في رداء الوجود، ولا هو الفراغ المحض كما يتبدى للناظر العابر؛ بل هو في حقيقته ضربٌ من ضروب الحضور المكثف، وجهٌ آخر للكيان لكنه أكثر صخبًا، وأشد وطأة، وأعمق أثرًا في تضاريس الروح. نحن لا يُثقل كواهلنا أولئك الذين يزاحموننا في المكان، أو يشاركوننا رصيف العيش اليومي، بل يثقلنا -بكل مرارة- ذاك الذي ارتحل عن المدى وخلّف وراءه ظلالًا ممتدة تأبى الغروب. فالغياب ليس مجرد توارٍ للجسد عن المبتغى، بل هو تلك المسافة الشاسعة والموحشة التي تتشكل بين ما كان يملأ الوجود صخبًا، وبين ما غدا أثرًا بعد عين.

حين يرحل الغائبون، فإنهم لا يحزمون حقائبهم بأنفسهم فقط، بل يقتطعون من نسيج ذاكرتنا أجزاءً عزيزة ويحملونها معهم إلى المجهول. يتركون خلفهم مشهدياتٍ عالقة تتحدى النسيان؛ فنجانًا على الطاولة لا يزال يتصاعد منه بخار الوداع، كلمةً بترها الرحيل فظلت معلقةً في حنجرة الوقت، ونظرةً أخيرة ما زالت ترتجف في أعماقنا كلما عصفت بنا رياح الذكرى. ولعل الحقيقة الصادمة تكمن في أن أقلامنا لا تسيل حبرًا طوعًا عمن يقاسموننا اللحظة، بقدر ما تنزف ولعًا بأولئك الذين غادروا المدار. فالغياب يفتح في لغتنا فجواتٍ سحيقة، لا تملؤها البلاغة ولا تروضها الكلمات، بل ينبت فيها قلق الأسئلة الوجودية: لماذا اختاروا الغياب؟ وكيف لم نملك قيد أنملة لإبقائهم؟ وهل تراه الطيف لا يزال يذكرنا في غربته، أم أن الرحيل كان رغبةً مُبيتة غُلفت بصمتٍ مطبق؟

الغياب لا يقتصر على فُقدان الآخرين، فثمة غيابٌ أشد وطأة حين نفقد أنفسنا ونحن لا نزال نؤدي طقوس الحياة. إننا نغيب عن ذواتنا ونحن في أوج حضورنا الاجتماعي؛ نمشي في الطرقات، نوزع الابتسامات، ونمارس الكتابة، لكننا نفعل ذلك بكيانٍ منقوص، بشيءٍ جوهري كان يسكننا ثم انطفأ. ربما كانت تلك الطمأنينة التي غادرتنا بلا رجعة، أو تلك البراءة التي تلوثت بخيبات الطريق، أو تلك الدهشة الأولى التي كانت تجعل من العالم مكانًا سحريًا، فباتت اليوم نبضًا خافتًا لا يكاد يُسمع.

في كنف الغياب، تنضج المشاعر وتكتسب صلابتها، ليس لأن الزمن يمنحها الطول، بل لأنها تُوضع في أتون الاختبار. الغياب هو المعلم الأول الذي يلقننا كيف نصغي إلى ترانيم الصمت، وكيف نجري حواراتٍ ممتدة مع الأشباح والظلال، وكيف نربي في حنايا أفئدتنا نسخةً موازية للآخر، نسخةً معصومةً من الرحيل. بعض الغياب يروض فينا الحنين، وبعضه يكسونا بجلدٍ من القسوة، لكنه في كل أحواله يجعلنا ندرك أن الذاكرة ليست أرشيفًا باردًا نعيد ترتيب رفوفه، بل هي كائنٌ حي، شرسٌ وعنيد، يصر على أن يحيا فينا رغم كل محاولاتنا اليائسة للاستئصال والنسيان

وثمة غيابٌ يبقى جرحًا مفتوحًا على الأبدية، وهو ذاك الذي لم يُختم بمراسم الوداع. غيابٌ بلا نهاياتٍ واضحة، يشبه روايةً مُزقت صفحاتها الأخيرة في لحظة ذروة، أو مقطوعةً موسيقية توقفت فجأة قبل النغمة الختامية، فتظل الروح ترقص على إيقاعها الداخلي كلما سكن الكون واستوطن الصمت. إن الغياب الحقيقي ليس في ابتعاد المسافات الجغرافية، بل في تلك اللحظة التي نكتشف فيها أن الأشياء لم تعد كما كانت؛ أن نمسك بالكتاب ذاته الذي عشقناه، لكننا نقرأه بعيونٍ غريبة أرهقها الانكسار، أو أن نجلس على المقعد نفسه، لكن بثقلٍ روحي لم نعهده من قبل، لننظر في المرآة فلا نكاد نتعرف على تلك الملامح التي تحاول جاهدةً استجداء الألفة

لهذا، حين نغيب عن حياة أحدهم، فنحن لا نغادر حيزًا مكانيًا فحسب، بل نعيد صياغة مفهوم وجوده بالكامل. وحين يغيب أحدهم عنا، لا نكتشف فحسب مدى عمق محبتنا له، بل نكتشف حجم تفتتنا، وكم من أجزاء هويتنا كانت معلقةً بأستار وجوده. يبقى الغياب، في جوهره الفلسفي، ليس نهايةً لقصة، بل هو سؤالٌ كوني مفتوح على كل الاحتمالات هل تراه بقي منا شيءٌ بعد رحيلهم؟ وهل الغياب هو مجرد رحيل فيزيائي للمكان.. أم هو تحولٌ كيميائي للروح وهي تحاول إعادة تشكيل نفسها من جديد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى