أخبارأخبار الأسبوعأخبار عربيهأخبار محليهأدبأدب وشعرالأسبوع العربيفنمحافظاتمقالات

الصديق وقت الضيق….قصة تراثية

بقلم / محمد فوزي عناني

كان في سالف الزمان شابٌّ مترف، نشأ في بيت الثراء والعز، فقد كان والده من كبار تجّار الجواهر والياقوت، وورث عنه الابن حياة البذخ والنعيم. أحاط نفسه بجماعة من الأصدقاء الذين لم يبخل عليهم بشيء، فكان يغدق عليهم بالعطايا والهبات، فيجلّونه ويثنون عليه في كل مجلس.

لكن الأيام دُوَل، فما إن وارى الثرى والده، حتى تبدّل الحال وتقلّبت النعمة نقمة. ضاق العيش وضاعت الأموال، ولم يبقَ للشاب إلا ذكريات الثراء وأسماء الأصدقاء الذين كانوا بالأمس القريب يلتفون حوله كالنحل حول الزهر.

راح يبحث عن أحدهم لعلّ المودة القديمة تشفع له عندهم، فسمع أن أقربهم إليه قد صار من كبار الأغنياء، يملك القصور والضياع. قصد قصره، وقد علّق عليه آمالًا كثيرة، فلما بلغ الباب استقبله الخدم والحشم، فأخبرهم بصِلتِه بصاحب القصر وما كان بينهما من صحبةٍ ومودّةٍ قديمة.

دخل أحد الخدم فأخبر سيده بالخبر، فرفع الغنيّ ستار النافذة ليلقي نظرة على زائره، فإذا هو رجلٌ رثّ الثياب، تبدو عليه آثار الفقر والانكسار. فاشمأزّ قلبه، وأمر خدمه أن يبلغوه بأن صاحب الدار مشغول لا يستطيع استقبال أحد.

خرج الشاب مكسور الخاطر، يتأمل الطريق وقد غشاه حزنٌ عميق، يتساءل في نفسه:

أماتت الدنيا الصداقة؟ أين المروءة؟ أين الوفاء؟ كيف يُطفئ المال نور الضمير؟

ومضى في طريقه حتى صادف ثلاثة رجالٍ غرباء، تبدو على وجوههم علامات الحيرة، فسألهم عن شأنهم. قالوا:

– نبحث عن رجل يُدعى فلان بن فلان.

فقال متعجبًا:

– ذاك أبي، لكنه توفي منذ أعوام.

فتأسف الرجال وقالوا:

– رحمه الله، لقد كان تاجراً بالجواهر، وله عندنا أمانة من المرجان النفيس، وها نحن نردّها إليه بعد طول غياب.

ودفعوا إليه كيسًا كبيرًا مملوءًا بالمرجان، ثم انصرفوا. وقف الشاب مذهولًا، لا يصدق ما بين يديه، وشكر الله على رزقه بعد ضيق. لكنه سرعان ما تذكّر أن بيع المرجان يحتاج إلى أهل ثراء، وأهل بلدته لا يملكون ما يشتري قطعةً واحدة.

وبينما هو في تفكيره، إذ بامرأة وقورة تبدو عليها آثار النعمة، أقبلت تسأله:

– يا بني، أتعلم أين أجد في بلدتكم مجوهرات نفيسة؟

قال:

– وأي نوع تطلبين يا سيدتي؟

قالت:

– أبحث عن أحجار كريمة فريدة، لا يهمني ثمنها.

فأخرج من كيسه بضع قطع من المرجان، فلما رأتها ذُهلت من جمالها، فابتاعت منه قطعًا ووعدته بالعودة لتشتري المزيد.

ومن تلك الصفقة انطلقت حياته من جديد، فبارك الله له في رزقه، وعادت تجارته تزدهر يوماً بعد يوم.

وبينما هو يعيش في بحبوحةٍ من العيش، تذكّر صديقه القديم الذي جحد وده، فبعث إليه بيتين من الشعر قال فيهما:

> صحبتُ قوماً لِئاماً لا وفاءَ لهمْ

يُبدونَ وُدّاً وفي أحشائِهمْ دَغَلُ

كانوا يُجِلّونني إذ كنتُ ذو غِنًى

فلمّا افتقرتُ عدّوني منَ الجَهَلِ

فما لبث أن جاءه الردّ بخطّ ذلك الصديق نفسه، وفيه ثلاثة أبيات:

> أما الثلاثةُ قد وافوكَ من قبلي

ولم تكنْ سبباً إلا منَ الحِيَلِ

أما التي ابتاعتِ المرجانَ والدتي

وأنتَ أنتَ أخي، بل منتهى أمَلي

وما طردناكَ من بُخلٍ ولا قِلَلٍ

لكنْ خشينا عليكَ وقفةَ الخَجَلِ

فسكت الشاب، وقد سالت من عينيه دمعةٌ حارّة، وهمس في نفسه:

> “ما أندرَ الوفاء في زمنٍ يتبدّل فيه كلُّ شيء… إلا معدنُ القلوب الصافية!”

محمدفوزى عناني

خبير اللغة الإنجليزية ماجستير جودة التعليم من نيويورك كاتب صحفي بجريدة الأسبوع العربي وعدة جرائد أخري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى