الأسبوع العربي

الجيوش العربية في حرب أكتوبر 1973

بقلم خالد صابر محمد علي

المقدمة:

تُعد حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 واحدة من أبرز محطات التاريخ العربي الحديث، حيث تجلّى فيها التضامن العربي بأبهى صوره. لم تكن الحرب مواجهة مصرية-إسرائيلية أو سورية-إسرائيلية فحسب، بل كانت معركة الأمة كلها من أجل الكرامة وتحرير الأرض. شاركت جيوش عربية متعددة بدمائها وسلاحها ومواقفها السياسية والاقتصادية، لتثبت أن العروبة ليست شعارًا بل مبدأً وعهدًا.

أولًا: الجبهة المصرية

قاد الجيش المصري بقيادة الفريق أول محمد أحمد صادق ثم الفريق أحمد إسماعيل علي عمليات العبور العظيم لقناة السويس في السادس من أكتوبر 1973، حيث تمكنت القوات المصرية من تحطيم خط بارليف الحصين، وعبور أكثر من 220 ألف جندي في ساعات معدودة.
إلى جانب الجيش المصري، شاركت عدة دول عربية على الجبهة المصرية دعمًا مباشرًا:

1. المملكة العربية السعودية:

أرسلت لواءً مدرعًا عرف باسم لواء الملك عبد العزيز إلى الجبهة المصرية.

شاركت أيضًا في الدعم النفطي بقرار الملك فيصل بوقف تصدير النفط للدول الداعمة لإسرائيل، وهو ما عُرف بـ”سلاح النفط” الذي غيّر موازين القوى الاقتصادية عالميًا.

2. دولة الكويت:

أرسلت كتيبة مشاة وكتيبة مدرعة إلى الجبهة المصرية.

ساهمت ماليًا في دعم المجهود الحربي المصري والسوري بمئات الملايين من الدولارات.

3. دولة الجزائر:

أرسلت سرب طائرات ميج 21 وعددًا من الدبابات T-55.

كما شاركت وحدات جزائرية في الدفاع الجوي المصري.

وقد وصل الرئيس الجزائري هواري بومدين بنفسه إلى موسكو للمطالبة بتزويد مصر بالأسلحة أثناء الحرب.

4. دولة العراق:

أرسلت فرقة مدرعة قوامها أكثر من 30 ألف جندي، ووصلت إلى الجبهة المصرية بعد وقف إطلاق النار، لكنها كانت على أهبة الاستعداد للمشاركة.

5. دولة السودان:

أرسلت لواء مشاة سوداني للمشاركة في الدفاع عن الأراضي المصرية، ووصلت قواته إلى منطقة القناة في الأيام الأولى للحرب.

 

ثانيًا: الجبهة السورية

شهدت جبهة الجولان السورية معارك شرسة قادها الجيش العربي السوري بقيادة الرئيس حافظ الأسد، وشاركته في القتال جيوش عربية عدة، أبرزها:

1. العراق:

كان لها أكبر دعم عربي على الجبهة السورية، إذ أرسلت ثلاثة أسراب من الطائرات وفرقة مدرعة كاملة وصلت إلى الجبهة في 12 أكتوبر.

شاركت القوات العراقية في معارك تل مسحرة وتل الشعار، وألحقت خسائر فادحة بالعدو الإسرائيلي.

2. الأردن:

أرسل الملك حسين اللواء المدرع الأربعين الذي تمركز على الجبهة السورية للدفاع عن دمشق.

شاركت القوات الأردنية في القتال المباشر في الأيام الأخيرة من الحرب.

3. المغرب:

أرسلت لواءً من المشاة المغربية تمركز في جبهة الجولان إلى جانب الجيش السوري.

كما شاركت وحدات من سلاح الطيران المغربي في طلعات قتالية مشتركة مع السوريين.

4. لبنان:

رغم ضعف الإمكانات العسكرية حينها، سمح لبنان باستخدام أجوائه وقواعده لتسهيل الدعم اللوجستي للسوريين.

 

ثالثًا: الدعم العربي غير العسكري

لم يقتصر الدور العربي على المشاركة القتالية، بل امتد إلى الدعم المالي والسياسي والإعلامي:

سلاح النفط: استخدمته السعودية وليبيا والجزائر والإمارات كوسيلة ضغط على الغرب لدعم الموقف العربي.

الدعم المالي: قدمت دول الخليج عشرات المليارات لمصر وسوريا لتعويض خسائر الحرب.

الدعم السياسي: سحبت معظم الدول العربية سفراءها من واشنطن ولندن احتجاجًا على دعم إسرائيل.

الدعم الإعلامي: توحّدت الإذاعات والصحف العربية خلف صوت واحد: “العروبة تنتصر.”

 

رابعًا: نتائج التعاون العربي

حققت القوات المصرية والسورية انتصارات ميدانية مهمة في الأيام الأولى للحرب.

استعادت الأمة العربية ثقتها بنفسها بعد هزيمة 1967.

مهّد التضامن العربي لمرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي.

برزت روح الوحدة في مؤتمر القمة العربي بالجزائر عام 1973 الذي دعم مبدأ تحرير الأراضي المحتلة.

 

الخاتمة

إن مشاركة الجيوش العربية في حرب أكتوبر لم تكن مجرد دعمٍ رمزي، بل كانت ترجمة حقيقية لفكرة المصير العربي المشترك. لقد أثبتت تلك الحرب أن وحدة الهدف والمصير يمكن أن تصنع النصر، حتى في وجه أعتى القوى العسكرية في العالم.
وهكذا ظل السادس من أكتوبر رمزًا خالدًا للتلاحم العربي، وذكرى تذكّر الأجيال بأن العروبة ليست جغرافيا بل وجدان وتاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى