أبطال صنعوا التاريخأخبارأخبار الأسبوعأخبار عالميةأخبار عربيهأخبار محليهالأسبوع العربيالسياسية والعسكريةالشباب والرياضةالشرق الأوسطالقوات المسلحة

نصر أكتوبر 73: المشير الجمسي وعبقرية الخداع التي هزمت إسرائيل

 النحيف المخيف….الفريق محمد عبدالغني الجمسي

بقلم: الشريف جمال عبدالناصر أبو بدر

في صبيحة يوم السادس من أكتوبر عام 1973، كان الجنرال موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، في زيارة تفقدية لقواته المتمركزة على الضفة الشرقية لقناة السويس وحصون خط بارليف المنيع. كانت أنباء قد تسربت وأثارت قلق القيادة الإسرائيلية بشأن تحركات مصرية محتملة على جبهة سيناء، لذا أراد ديان أن يطمئن بنفسه على الوضع. وما إن شاهد من أحد أبراج المراقبة الجنود المصريين في حالة استرخاء تام، منهم من يلعب الكرة ومنهم من يسبح في مياه القناة الهادئة، حتى استراح باله تمامًا وعاد إلى تل أبيب ليحتفل بعيد الغفران ويتلقى التهاني.

مقالات ذات صلة
الفريق محمد عبدالغنى الجمسي
الفريق محمد عبدالغنى الجمسي

وفي تمام الساعة الواحدة ظهرًا من نفس اليوم، وصل الرئيس الراحل أنور السادات والفريق أول أحمد إسماعيل علي، وزير الدفاع المصري وقائد القوات المسلحة، إلى مركز العمليات الرئيسي. كانت الأنظار معلقة بانتظار أن تدق الساعة الثانية وخمس دقائق بعد الظهر، اللحظة الحاسمة التي ستعبر فيها قواتنا المسلحة قناة السويس إلى الضفة الشرقية، تلك الضفة التي كان يقف عليها وزير دفاع إسرائيل قبل ساعات قليلة متفقدًا جنوده المطمئنين.

أما العقل المدبر وصاحب خطة الخداع العبقرية التي نجحت في تضليل وزير الدفاع الإسرائيلي وأجهزة مخابراته المتطورة، بل وأجهزة مخابرات الولايات المتحدة الأمريكية، أقوى دولة في العالم آنذاك، فهو اللواء محمد عبدالغني الجمسي، الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب رئيس هيئة العمليات بالقوات المسلحة المصرية.

نشأة وتكوين القائد العسكري:

ولد المشير محمد عبدالغني الجمسي في التاسع من سبتمبر عام 1921 بمحافظة المنوفية. التحق بالكلية الحربية وهو في السابعة عشرة من عمره، وعُين ضابطًا في منطقة الصحراء الغربية، ليصبح شاهدًا على أعنف معارك المدرعات التي دارت رحاها بين قوات الحلفاء بقيادة مونتجمري وقوات المحور بقيادة روميل. كانت هذه التجربة القتالية المبكرة بمثابة مدرسة عملية أفادته أيما إفادة في مسيرته العسكرية اللاحقة. ورغم أنه قدم استقالته عقب هزيمة عام 1967 المريرة، إلا أنها قوبلت بالرفض القاطع، وأسند إليه الرئيس جمال عبدالناصر مهمة إعادة بناء وتدريب الجيش المصري. وفي عام 1972، تولى منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ليتبدل مساره المهني ومصير مصر والمنطقة بأسرها بشكل جذري.

الجمسي - بالزي الميداني
الجمسي – بالزي الميداني

كشف أسرار خطة الخداع وساعة الصفر:

في حوار أجراه الكاتب مع المشير الجمسي قبل رحيله بسنوات، سأله عن تفاصيل خطة الخداع العبقرية وكيف تم تحديد ساعة الصفر في حرب أكتوبر المجيدة. فأجاب المشير قائلًا: “جرت العادة في العمليات العسكرية، خاصة عند وجود موانع مائية صعبة مثل قناة السويس، أن الهجوم يحتاج إلى وقت طويل للإعداد والتنفيذ. وكان الوضع الطبيعي والمتوقع من جانب العدو أن نبدأ الهجوم مع أول ضوء من النهار، بحيث نستغل الليل كله في عمليات العبور والانتشار. لكننا لم نختر أول ضوء ولا آخر ضوء، وإنما اخترنا الساعة الثانية وخمس دقائق بعد الظهر. هذا التوقيت كان غير متوقع تمامًا من جانب العدو، لأنه يتعارض مع التقاليد العسكرية المعروفة.”

وأضاف المشير الجمسي: “كما قمنا بتنفيذ مناورة عسكرية واسعة النطاق حددنا لها الفترة من الأول وحتى السابع من أكتوبر. وتحت ستار هذه المناورة العلنية، قمنا سرًا باحتلال مراكز القيادة الرئيسية في الجيش والبحرية والطيران والدفاع الجوي. كما تم إعلان حالة الطوارئ في صفوف القوات المسلحة واستدعاء قوات الاحتياط. وبعد ثلاثة أيام من بدء المناورة، قمنا بتسريح آلاف الجنود بشكل مفاجئ، وبدأ الجميع، بمن فيهم العدو، يعتقدون أن المناورة قد انتهت. وفي التوقيت المناسب تمامًا، قمنا بنزع خرائط التدريب واستبدالها بخرائط العمليات الحربية الحقيقية. ولزيادة التمويه، أعلنا عن تنظيم القوات المسلحة لرحلات عمرة في شهر رمضان المبارك، وحجز فيها عدد كبير من القادة والضباط والجنود، وتعمدنا نشر خبر هذه العمرة في جريدة الأهرام التي توزع على نطاق واسع في دول أوروبا. وعندما طلب وزير دفاع رومانيا زيارة رسمية لمصر، حددنا له يوم التاسع من أكتوبر للقاء وزير الدفاع المصري، وهو ما كان يوحي بعدم وجود أي استعدادات للحرب.”

وأوضح المشير الجمسي أن تحديد ساعة الصفر خضع لدراسات عميقة ومستفيضة تمت في هيئة العمليات، حيث تم دراسة جميع شهور السنة لاختيار أفضل الشهور لاقتحام قناة السويس، مع الأخذ في الاعتبار حالة المد والجزر وسرعة واتجاه التيار المائي. كما تم دراسة طول الليل لاختيار ليل طويل بحيث يكون النصف الأول منه في ضوء القمر لتسهيل تركيب وإنشاء الكباري العائمة، ويكون عبور القوات والأسلحة والمعدات في النصف الثاني المظلم. ولم تغفل الدراسة أيضًا العطلات الرسمية في إسرائيل وتأثير هذه العطلات على إجراءات التعبئة العامة في إسرائيل. وأشار المشير إلى أنه قام بتدوين هذه الملاحظات وغيرها في كراسة خاصة بابنته وسلمها بخط يده إلى الفريق أحمد إسماعيل، الذي ناقشها بدوره مع الرئيس السادات في برج العرب في أوائل أبريل عام 1973، ونقل إليه انبهار الرئيس بهذه الدراسة الدقيقة، وهي الكراسة التي أشار إليها الرئيس السادات فيما بعد بـ “كشكول الجمسي”.

الفريق عبدالغنى الجمسي
الفريق عبدالغنى الجمسي

تواضع العظماء وتقدير فريق العمل:

بكل تواضع جم، أكد المشير الجمسي على أهمية دور فريق العمل، قائلًا: “يجب أن أعطي الفضل لأصحابه، فهو كشكول هيئة عمليات القوات المسلحة التي أفخر وأعتز بأنني كنت رئيسًا لها في تلك الفترة التاريخية.”

إشارة السادات إلى “كشكول الجمسي”:

في مذكراته “البحث عن الذات”، أشار الرئيس السادات إلى الدور المحوري لمذكرة المشير الجمسي، قائلًا: “عندما جاء الرئيس حافظ الأسد في زيارة سرية لمصر في أبريل 73، عرضنا عليه مذكرة الجمسي التي دون فيها المواعيد المناسبة للعمليات العسكرية على مدار السنة… من وجهة نظر العلوم العسكرية… وقلت للأسد: قررت أن أدخل المعركة هذا العام فما رأيك؟ فقال لي: أنا معك… واتفقنا على تكوين مجلس أعلى مشترك.”

دور السادات في عمليات التمويه:

لم يقتصر دور القيادة السياسية على التخطيط والموافقة، بل امتد ليشمل المشاركة الفعالة في عمليات التمويه والخداع الاستراتيجي. فقد اجتمع الرئيس السادات بمجلس الأمن القومي يوم 30 سبتمبر 1973 وطلب من الأعضاء إبداء آرائهم حول الوضع الراهن. وبينما طالب البعض بالمعركة، تردد البعض الآخر. حتى أن وزير التموين أعرب عن قلقه بشأن كفاية المخزون التمويني لمعركة طويلة. وفي هذا السياق الحساس، قال الرئيس السادات بوضوح: “عايز أقول لكم إن اقتصادنا النهاردة في مرحلة الصفر، وعلينا التزامات آخر السنة… لا نستطيع الوفاء بها للبنوك، وعندما تأتي سنة 1974 بعد شهرين لن يكون عندنا رغيف خبز للمواطنين ولا أستطيع أن أطلب من أي عربي دولارًا واحدًا…” هذه الكلمات تعكس مدى جسامة القرار الذي اتخذه الرئيس السادات بالدخول في الحرب، وإدراكه العميق للتحديات الاقتصادية التي تواجه مصر في ذلك الوقت.

تستكمل مذكرات المشير الجمسي سرد الأحداث الحاسمة في حرب أكتوبر 1973، وتكشف عن تفاصيل جديدة حول خطط الطرفين وردود أفعالهم خلال الأيام الأولى للمعركة.

الفريق محمد  عبدالغنى الجمسي
الفريق محمد عبدالغنى الجمسي

خداع مستمر وإنهاء مبكر للاجتماع:

يؤكد المشير الجمسي على استمرار خطة الخداع المصرية حتى اللحظات الأخيرة قبل الهجوم. فبعد الاجتماع الذي تم فيه طمأنة القيادات بأن “لا في حرب ولا حاجة”، انتهى الاجتماع بالفعل. وفي اليوم التالي، الأول من أكتوبر، بدأ تنفيذ “المشروع التدريبي” الذي كان في ظاهره تدريبًا روتينيًا، ولكنه كان في حقيقته اللمسات الأخيرة للمعركة الوشيكة.

مفاجأة الجمسي: ضربة إسرائيلية وشيكة:

يكشف المشير الجمسي في مذكراته عن مفاجأة لم تكن معروفة على نطاق واسع، وهي أن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان كان ينوي توجيه ضربة مفاجئة لمصر في الثامن من أكتوبر. وقد جاءت هذه النية ردًا على سؤال من رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير عن موعد خطته لمواجهة التحركات المصرية.

متابعة تحركات العدو الجوية في السادس من أكتوبر:

يجيب المشير الجمسي عن سؤال حول كيفية متابعة تحركات إسرائيل في يوم السادس من أكتوبر الحاسم، قائلًا: “كان اهتمامي الشخصي مركزًا على نشاط العدو الجوي الذي يظهر على شاشة الرادار الموجود في مركز العمليات، لأنه يلعب الدور الرئيسي في حالة كشف نوايانا الهجومية.”

لحظة الحسم وسبق السيف العزل:

يصف المشير اللحظات التي سبقت الهجوم قائلًا: “وحوالي الساعة الثانية عشر ظهرًا قلت للفريق أحمد إسماعيل: سبق السيف العزل، أصبح الوقت متأخرًا جدًا كي يتمكن العدو من القيام بعمل عسكري مؤثر. وأخذ الوقت يمر بطيئًا بطيئًا.. ومرت الساعة الباقية حتى إقلاع طائراتنا لتوجيه الضربة الجوية طويلة.. طويلة.. كأنها دهر.”

معلومات إسرائيلية متأخرة وتحذير أمريكي:

تكشف المذكرات أن إسرائيل تلقت معلومات صباح يوم السادس من أكتوبر تؤكد أن مصر وسوريا ستشنان الحرب قبل غروب شمس ذلك اليوم. وعلى الفور، اجتمع مجلس الوزراء الإسرائيلي وقرر تحذير مصر وسوريا عن طريق الولايات المتحدة الأمريكية. اتصل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بالدكتور محمد حسن الزيات، وزير الخارجية المصري الذي كان في نيويورك في ذلك الوقت، تحديدًا الساعة الثانية إلا ربع ظهرًا (أي قبل الحرب بثلاث ساعة)، يرجوه ألا تقوم مصر بعمليات عسكرية.

الفريق محمد  عبدالغنى الجمسي
الفريق محمد عبدالغنى الجمسي

بدء الحرب والضربة الجوية والمدفعية:

عندما اتصل الدكتور الزيات برئاسة الجمهورية في القاهرة، كانت الحرب قد بدأت بالفعل منذ ربع ساعة. فقد قامت 200 طائرة مصرية بشن هجوم واسع النطاق على المواقع الإسرائيلية في سيناء، بينما هاجمت 100 طائرة سورية مواقع العدو في الجولان وجبل الشيخ. بالتزامن مع ذلك، فتح أكثر من 2000 مدفع على طول جبهة قناة السويس من مختلف الأعيرة نيرانًا كثيفة ضد الأهداف الإسرائيلية لمدة 53 دقيقة متواصلة. وبلغت كثافة النيران في الدقيقة الأولى وحدها سقوط 10500 دانة مدفعية على المواقع الإسرائيلية، بمعدل 175 دانة في الثانية الواحدة. وقد نجحت هذه النيران الكثيفة في منع دبابات العدو من صعود الساتر الترابي.

العبور الأول والسيطرة على الضفة الشرقية:

توضح المذكرات أن القوات المصرية تمكنت في الدقائق الأولى من عبور 800 مقاتل، وارتفع هذا العدد إلى 3300 مقاتل بعد خمس ساعات من بدء الهجوم. وقد استخدمت القوات المصرية 750 قاربًا في عملية الاقتحام و1500 سلم جبلي لتسلق الساتر الترابي المرتفع.

البيان العسكري الأول:

عندما اطمأن الرئيس السادات إلى سير العمليات بنجاح، أمر بإذاعة البيان العسكري الأول. وتكشف المذكرات أن هذا البيان لم يكن دقيقًا تمامًا من الناحية الزمنية، حيث ذكر أن قوات العدو قامت في الساعة الواحدة والنصف ظهرًا بمهاجمة قواتنا، وأن قواتنا تقوم حاليًا بالتصدي لها. أما البيان الرئيسي الذي حمل بشرى العبور والسيطرة على الضفة الشرقية، فهو البيان الخامس الذي صدر في الساعة الرابعة عصرًا.

الفريق محمد  عبدالغنى الجمسي
الفريق محمد عبدالغنى الجمسي فى غرفة عمليات القوات المسلحة المصرية

قتال المشاة ضد الدبابات وفتح الثغرات:

يؤكد المشير الجمسي في مذكراته على الشجاعة والصلابة التي أظهرها رجال المشاة المصريون في مواجهة الدبابات الإسرائيلية، حيث استمر القتال لمدة ثماني ساعات قبل عبور الأسلحة الثقيلة المصرية. لقد قاتلوا ببسالة ضد حوالي 300 دبابة إسرائيلية وتمكنوا من تدمير مائة منها. كما تمكن رجال سلاح المهندسين من فتح أكثر من 30 ممرًا في الساتر الترابي باستخدام 350 مضخة مياه قوية.

اليوم الثاني للحرب والنصيحة الأمريكية:

في اليوم الثاني للحرب، السابع من أكتوبر، جاءت الخطة الأمريكية على شكل نصيحة لإسرائيل بشن هجوم مضاد سريع بهدف تحطيم رؤوس الكباري المصرية وتوجيه ضربة قوية للدفاع الجوي المصري لشل فاعليته.

الرعب والشلل في إسرائيل:

تصور المذكرات حالة الشلل والرعب التي سادت إسرائيل في الأيام الأولى للحرب. وينقل المشير وصف رئيس الأركان الإسرائيلي إليعازر لوزير دفاعه ديان قائلًا: “لا يمكن لأحد مهما أوتي من أسلوب الكتابة أن يصور الهزيمة بقدر ما يراها على وجه قائد مهزوم في تقديراته وخططه وتاريخه.. هكذا كان ديان.”

بينما سجل ديان نفسه مشاعره في تلك اللحظات الحرجة قائلًا: “الواقع أنني خلال طيراني عائدًا من سيناء إلى تل أبيب، لا أتذكر لحظة في الماضي شعرت فيها بالقلق الذي شعرت به الآن. لو أنني كنت أعاني جسمانيًا وأواجه الخطر شخصيًا لكان الأمر أهون. أما الآن فثمة شعور آخر ينتابني.. كانت إسرائيل في خطر.”

أول اتصال سري بين مصر وأمريكا:

تكشف المذكرات عن حدوث أول اتصال سري بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية يوم الأحد الموافق السابع من أكتوبر، وذلك عن طريق حافظ إسماعيل، مستشار الرئيس السادات للأمن القومي. لكن المشكلة التي يشير إليها المشير الجمسي في هذا الاتصال هي أنه كشف لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر عن نية مصر الواضحة بعدم توسيع الهجوم والتوغل أكثر في سيناء بعد الأراضي التي تم تحريرها في المرحلة الأولى. وقد علق كيسنجر على ذلك بأن مصر غير راغبة في متابعة العمليات العسكرية ضد إسرائيل بعد الأراضي التي كسبتها. واعتبر المشير الجمسي أن هذا الاتصال كان بمثابة إفشاء لنوايا مصر العسكرية تجاه العدو عن طريق حليفته القوية، الولايات المتحدة الأمريكية.

قتال عنيف وتحرير القنطرة شرق:

في يوم الاثنين الثامن من أكتوبر، كانت قوات الجيش الثاني الميداني تقاتل ببسالة على عمق يتراوح بين 9 و 12 كيلومترًا شرق قناة السويس، وتمكنت الفرقة 18 مشاة بقيادة العميد فؤاد عزيز غالي من تحقيق إنجاز هام بتحرير مدينة القنطرة شرق. وفي نفس الوقت، كان الجيش الثالث الميداني يقاتل على عمق يتراوح بين 8 و 11 كيلومترًا شرق القناة. شهد هذا اليوم معارك عنيفة بين الجانبين، وتمكنت القوات المصرية من أسر العميد الإسرائيلي عساف ياجوري، الذي كان يحمل رتبة رفيعة في الجيش الإسرائيلي. وقد وصف ديان هذا اليوم بأنه “يوم الفشل العام لإسرائيل” بعد أن تصدت القوات المصرية ببسالة لهجوم العدو المضاد.

تصفية خط بارليف وطلب الأسلحة:

جاء يوم التاسع من أكتوبر ليحمل الاطمئنان الكامل للقوات المصرية بعد النجاح في تصفية جميع حصون خط بارليف الحصين، الذي كان يعتبر أسطورة الدفاع الإسرائيلي. وفي هذا اليوم، طلبت إسرائيل رسميًا أسلحة وذخائر من الولايات المتحدة الأمريكية لتعويض خسائرها الفادحة في المعدات والأفراد. كما طلب الاتحاد السوفيتي من الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار، لكن الرئيس السادات رفض هذا الطلب في ذلك التوقيت الحاسم.

تضارب الآراء مع الشاذلي:

تشير المذكرات في سياق متصل إلى وجود تضارب في الآراء ووجهات النظر بين القيادات العسكرية المصرية، وتحديدًا مع الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك، حول بعض جوانب إدارة العمليات العسكرية في المراحل اللاحقة للحرب.

تستمر مذكرات المشير الجمسي في تقديم رؤية فريدة وشاملة لأحداث حرب أكتوبر المجيدة من منظور أحد أبرز القادة العسكريين الذين ساهموا في تحقيق هذا النصر التاريخي.

تؤكد مذكرات المشير الجمسي على أنها تقدم رؤية فريدة وشاملة لحرب أكتوبر، متجاوزةً مجرد كونه أحد أبطالها. فهي تسعى لملء الفراغات والإجابة عن التساؤلات من خلال استعراض وتحليل واسع لمختلف المذكرات والروايات الصادرة عن هذه الحرب في مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعله يبدو محللًا استراتيجيًا بارعًا بالإضافة إلى كونه جنرالًا محترفًا.

نقد موضوعي لرؤى القادة حول تطوير الهجوم:

يُظهر المشير الجمسي ذهنًا متقدًا وقدرة على الوصول إلى جوهر الفكرة بسهولة. وبروح موضوعية، لم يتردد في انتقاد رؤية الفريق أحمد إسماعيل، وزير الدفاع آنذاك، رغم عمق علاقتهما. فقد كان رأي الجمسي هو ضرورة تطوير الهجوم المصري شرقًا دون توقف طويل، وذلك لحرمان العدو من فرصة تحصين مواقعه. وقد ناقش هذه النقطة مع الفريق أحمد إسماعيل مرتين في التاسع من أكتوبر، لكنه وجد لدى الوزير حذرًا شديدًا من سرعة التقدم شرقًا، حيث كان يرى ضرورة الانتظار لتكبيد العدو أكبر قدر من الخسائر. ورغم طول المناقشات، ظل قرار الوزير بالقيام بوقفة تعبوية ثابتًا في ذهنه.

في المقابل، كان رأي الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الجيشين الثاني والثالث، معارضًا لتطوير الهجوم شرقًا. استند هذا الرأي إلى قوة القوات الجوية الإسرائيلية التي كانت تشكل تهديدًا خطيرًا لأي قوات برية تتحرك في مناطق مكشوفة دون غطاء جوي. كما رأى الفريق الشاذلي، كما ذكر في مذكراته، أن بقاء الجيشين في مواقعهما الحالية سيمنع تقدم إسرائيل مهما كلف الأمر، حتى تقبل إسرائيل بالأوضاع الجديدة على جبهة القتال.

وقد حاول الفريق أحمد إسماعيل إقناع الفريق الشاذلي بتطوير الهجوم لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية في الحادي عشر من أكتوبر، لكن رد الشاذلي كان قاطعًا بأن التطوير لن ينجح ولن يخفف العبء عن سوريا. وفي النهاية، حسم الوزير الأمر بقوله إن القرار سياسي ويجب الالتزام به، وبدأ تطوير الهجوم بالفعل في الرابع عشر من أكتوبر.

يرى المشير الجمسي أن التردد والتضارب في الآراء بين القادة العسكريين، بالإضافة إلى التدخل المباشر للسياسة من الرئيس السادات، كانت هي الأسباب الرئيسية لحدوث الإخفاقات التي أدت في النهاية إلى ثغرة الدفرسوار.

مفارقة في آراء القادة:

يلفت المشير الجمسي النظر إلى مفارقة مهمة، حيث بدا الفريق الشاذلي، المعروف بعبقريته ومغامراته العسكرية، متحفظًا هذه المرة ومكتفيًا بالانتصار المتحقق، رافضًا المغامرة بتطوير الهجوم. وقد أثبتت الأيام صحة هذا الرأي في النهاية. بينما دعا اللواء الجمسي، الذي كان يقيس الأمور بمنطقية وعقلانية، إلى انتهاز الفرصة قبل أن تستفيق إسرائيل من الصدمة الأولية وتحصل على الدعم وتعيد تنظيم قواتها. كان رأيه مغامرًا وجريئًا، لكن البطء في التنفيذ أفسد هذه الفرصة. ويخلص المشير إلى أن المنطق كان يقتضي، إذا كان لابد من تطوير الهجوم، أن يتم ذلك بسرعة كما أراد الجمسي، وإلا فلا يتم تطويره كما رأى الشاذلي. أما المنطقة الوسط بين الرأيين فقد أدت إلى إخفاقات كان من الممكن تجنبها.

رأي الجمسي في ثغرة الدفرسوار والمسؤولية عنها:

عندما سُئل المشير الجمسي عن رأيه في ثغرة الدفرسوار ومن يتحمل مسؤوليتها، خلال حوار مطول استمر لأكثر من ساعتين ولم ترتسم على وجهه أي ابتسامة، أجاب ببساطة دون أن يحدد مسؤولًا بعينه قائلًا: “أثناء حرب أكتوبر وقعت 50 معركة، انتصرنا في 49 منها، وفازت إسرائيل بواحدة هي الثغرة.” وأوضح أنه بعد تحديد يوم الثالث عشر من أكتوبر لتطوير الهجوم، ونقل الفرقة 21 مدرعة من غرب القناة إلى شرقها استعدادًا للهجوم المنتظر، وفي هذا اليوم تحديدًا، اخترقت طائرة أمريكية المجال الجوي المصري بسرعة ثلاثة أضعاف سرعة الصوت ورصدت تغير أوضاع الفرقة 21 مدرعة وانتقالها إلى الشرق. بناءً على هذه المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، قامت إسرائيل بالهجوم المضاد من منطقة الدفرسوار، وحدثت الثغرة.

تضارب الآراء حول التعامل مع الثغرة:

تعقد الموقف أكثر بعد ظهور الثغرة، وتضاربت الآراء مرة أخرى حول كيفية التعامل معها. كان رأي الفريق الشاذلي هو سحب أربعة ألوية من الشرق إلى الغرب خلال 24 ساعة لمواجهة الثغرة، بينما رفض الوزير أحمد إسماعيل سحب أي قوات من الشرق إلى الغرب، خشية إضعاف الجبهة الرئيسية.

اجتماع مركز العمليات بحضور السادات:

يذكر المشير الجمسي في مذكراته حضور الرئيس السادات إلى مركز العمليات يوم العشرين من أكتوبر. كان الحضور يشمل الفريق الشاذلي الذي طلب حضور الرئيس لشرح الموقف له، واللواء حسني مبارك، واللواء محمد علي فهمي، واللواء الجمسي، واللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية، واللواء سعيد الماحي مدير المدفعية. وقد اجتمع الرئيس السادات بالوزير أحمد إسماعيل لمدة ساعة كاملة قبل الاجتماع العام.

خلال الاجتماع، طلب الرئيس السادات رأي المجتمعين واحدًا تلو الآخر. وكان رأي المشير الجمسي قريبًا من رأي الفريق أحمد إسماعيل، حيث كان يفضل عدم إحداث أي اهتزازات في تمركز القوات المصرية في الشرق. لكن الغريب أن الفريق الشاذلي لم يتحدث خلال الاجتماع. وقد برر ذلك في مذكراته بأن الرئيس طلب الكلمة من المجتمعين بالتتابع، وبعد أن استمع إليهم جميعًا، لم يطلب منه الكلمة، ثم أعلن الرئيس قراره بعدم سحب أي قوات من الشرق إلى الغرب مع الاكتفاء باحتواء قوات العدو المتوغلة في الغرب. شعر الشاذلي بأنه لم يُستمع إليه وأن الرئيس اتخذ قراره بالفعل.

ويضيف المشير الجمسي أنه عند انتهاء الاجتماع، غادر الرئيس مركز العمليات دون أن يبين لهم أنه يفكر في الموافقة على وقف إطلاق النار، بعد أن كان قد رفض ذلك أكثر من مرة في السابق.

الجمسي أول مفاوض لإسرائيل:

يذكر المشير الجمسي أنه بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 340 الذي قضى بإنشاء قوة طوارئ دولية لمراقبة وقف إطلاق النار والعودة إلى خطوط الثاني والعشرين من أكتوبر، وبجهود أمريكية مكثفة، وافقت مصر وإسرائيل على إجراء مباحثات لتثبيت وقف إطلاق النار وتوصيل الإمدادات لقوات الجيش الثالث المحاصرة، بعد أن تمكنت إسرائيل من قطع طريق مصر-السويس الصحراوي، الذي كان الطريق الوحيد لمدينة السويس والجيش الثالث. ويشير إلى أنه كان أول من فاوض الجانب الإسرائيلي في هذه المباحثات الصعبة.

تظل مذكرات المشير الجمسي مرجعًا هامًا ودقيقًا لفهم حرب أكتوبر بكل تفاصيلها وتعقيداتها، وتقدم رؤى قيمة حول قرارات القادة العسكريين وتأثير السياسة على مسار المعركة.

تستكمل مذكرات المشير الجمسي تفاصيل المفاوضات الشاقة التي أعقبت حرب أكتوبر، بدءًا من مفاوضات الكيلو 101 وصولًا إلى اتفاقية كامب ديفيد، وتكشف عن مواقف حاسمة واعتراضات قوية من المشير على بعض القرارات التي رأى أنها تضر بمصالح مصر العسكرية والأمنية.

مفاوضات الكيلو 101:

قاد المشير الجمسي المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي في الكيلو 101، والتي بدأت في ساعة متأخرة من الليل واستمرت حتى الساعات الأولى من الصباح داخل أحد المواقع الإسرائيلية. يصف المشير أجواء اللقاء الأول بين قادة عسكريين قاتلوا للتو بعضهم البعض، حيث ساد الاحترام العسكري الحذر. تمحورت المناقشات الأولية حول انسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط 22 أكتوبر وضمان إمداد السويس والجيش الثالث المحاصر، بينما كان الجانب الإسرائيلي يركز على تبادل الأسرى وإبقاء قواته على طريق مصر-السويس. بعد هذا اللقاء الأولي، نُصبت خيام رسمية وبدأ السماح لوسائل الإعلام بحضور المفاوضات التي استمرت سبع جلسات دون تحقيق تقدم ملموس.

كيسنجر ودموع الجنرال:

يذكر المشير الجمسي زيارة هنري كيسنجر الأولى للقاهرة في نوفمبر 1973 ومفاوضاته مع الرئيس السادات، ثم زيارته الثانية لأسوان في يناير 1974 ودبلوماسيته المكوكية بين أسوان والقدس. وقد أعلن كيسنجر لاحقًا عن الوصول إلى اتفاق لفك الاشتباك والفصل بين القوات.

ويكشف المشير عن موقف حاد له خلال مفاوضات أسوان، حيث فوجئ بإعلان كيسنجر عن موافقة السادات على تخفيض حجم القوات المصرية على الضفة الشرقية للقناة إلى 7000 جندي و30 دبابة وعدد محدود من المدفعية. اعترض المشير بشدة على هذا الاقتراح، مؤكدًا لكيسنجر أنه بذلك يمنح إسرائيل كل ما يضمن تأمين قواتها، وأنه كرئيس أركان حرب القوات المسلحة لا يمكنه تبرير هذا التنازل. ورغم تبرير كيسنجر بأن ذلك يخدم إستراتيجية السلام المستقبلية، أصر المشير على موقفه المتعلق بتأمين القوات المصرية، وغادر غرفة الاجتماع بانفعال وعيناه تفيضان بالدموع، مما أثار غضب الوفد المصري ودهشة كيسنجر الذي تساءل عن الخطأ الذي ارتكبه. وقد عاد المشير إلى الاجتماع صامتًا حتى نهايته، ليغدق عليه كيسنجر بالثناء، مشيرًا إلى أن العسكريين الإسرائيليين لا يخشون أحدًا سواه. ويعلق المشير على هذا الموقف بتمنيه لو أن الرئيس السادات استشاره أو استشار الفريق أحمد إسماعيل في القضايا العسكرية الهامة، مثل حجم القوات التي يجب الاحتفاظ بها في سيناء، مؤكدًا أن التضحيات والدماء لا يجب أن تذهب هباءً.

السادات “يخذل” الجمسي:

بعد الوفاة المفاجئة للمشير أحمد إسماعيل في لندن، تولى المشير الجمسي منصب وزير الدفاع في ديسمبر 1974، واستمر في قيادة المفاوضات العسكرية مع الجانب الإسرائيلي للوصول إلى اتفاق سلام يقضي بانسحاب إسرائيل. ورغم زيارة الرئيس السادات التاريخية للقدس، إلا أن المخاوف الإسرائيلية ظلت قائمة، وأصر الإسرائيليون على الاحتفاظ بمطاري رفح ورأس النقب وبقاء المستوطنات في سيناء حتى بعد الانسحاب.

وفي إحدى جولات المفاوضات الشاقة، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي عيزر وايزمان للمشير الجمسي بأن الرئيس السادات اتفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن على أن تكون المنطقة شرق خط المضايق منزوعة السلاح. نفى المشير وجود أي اتفاق من هذا القبيل، لكن وايزمان أصر على أن بيجن لا يمكن أن يكون قد فهم السادات بشكل خاطئ.

بعد الاجتماع، طلب المشير مقابلة الرئيس السادات وشرح له ما قاله وايزمان، موضحًا له الخطورة التي ستتعرض لها مصر إذا كان هذا الوعد صحيحًا. شرح المشير بالتفصيل خطورة جعل الجزء الأكبر من سيناء (150 كيلومترًا حتى الحدود الشمالية) منزوع السلاح، وأن تمركز القوات المصرية على خط المضايق يعني تمركزها على آخر الخطوط الدفاعية في سيناء، مما لا يحقق الدفاع عن سيناء أو منطقة القناة التي تبعد عنها بحوالي 55 كيلومترًا فقط. وأوضح أن هذا الوضع سيترك فراغًا إستراتيجيًا كبيرًا (150 كيلومترًا) دون أي خطوط دفاعية، مما يتيح لإسرائيل احتلالها في وقت قصير جدًا، وأن هذا سيحرم مصر من جميع المطارات العسكرية في سيناء، ويضع قواتها في أضعف موقف دفاعًا وهجومًا، وهو ما لا يمكن قبوله عسكريًا. ورجا المشير الرئيس السادات أن يتدخل سياسيًا لتفادي هذا الموقف الخطير.

لكن الرئيس السادات استمع فقط إلى شرح المشير، واقتصر رده وتعليقه على كلمة “طيب” مكررة، ثم شكره. وعند سفره إلى كامب ديفيد عام 1978، اقترح المشير عليه أن يصطحب معه أحد القادة العسكريين ضمن الوفد المصري لتقديم المشورة العسكرية، لكن الرئيس لم يوافق على هذا الاقتراح. ونتيجة لذلك، يصف المشير الجمسي اتفاقية كامب ديفيد من الناحية العسكرية بعبارة موجزة ومعبرة عن رفضه: “تعبر عن نفسها فقط!”، وهو تعبير بالغ الرقي والاحترام عن عدم رضاه عن هذه الاتفاقية.

الخروج الحزين:

تعكس هذه الأحداث الأخيرة في مذكرات المشير الجمسي شعوره بالإحباط والقلق على مستقبل الأمن القومي المصري، حيث رأى أن بعض القرارات المتخذة في سياق مفاوضات السلام لم تأخذ الاعتبارات العسكرية بالقدر الكافي، وأن التضحيات الكبيرة التي قدمها الجيش المصري في حرب أكتوبر قد لا يتم الحفاظ عليها بالشكل الأمثل.

بعد أسبوعين فقط من توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وبالتحديد في الثالث من أكتوبر عام 1978، وقبل يومين من أول احتفال بذكرى نصر أكتوبر المجيد، اتخذ الرئيس السادات قرارًا مفاجئًا بإقالة وزير دفاعه العتيد، المشير محمد عبد الغني الجمسي. وقد أثار هذا القرار تساؤلات عديدة حول دوافعه وتوقيته، خاصةً أنه جاء في ظل الحديث عن مرحلة جديدة من السلام مع إسرائيل.

تساؤلات حول دوافع الإقالة:

هل كانت إقالة المشير الجمسي بناءً على طلب من الجانب الإسرائيلي، الذي ربما لم يكن مرتاحًا لوجود قائد عسكري محنك وقوي على رأس المؤسسة العسكرية المصرية؟ أم أن الرئيس السادات رأى أن “جنراله النحيف”، كما كان يطلق عليه، لن يكون متوافقًا مع توجهات المعاهدة الجديدة ومرحلة السلام القادمة؟

رواية المشير الجمسي عن الإقالة:

يروي المشير الجمسي تفاصيل استدعائه من قبل الرئيس السادات بعد أسبوعين من توقيع معاهدة كامب ديفيد. يقول إنه اصطحب معه حقيبة أوراقه التي تحتوي على ملفات مهمة تتعلق بالقوات المسلحة والموقف العسكري بين مصر وإسرائيل، متوقعًا أن تكون هذه هي محاور النقاش بعد الاتفاقية. لكن الرئيس بدأ الحديث عن صحة زوجة المشير التي كانت تعاني من مرض الفشل الكلوي، ثم انتقل إلى السياسة الداخلية ووصفها بأنها مرحلة جديدة تمر بها مصر. وأعلن الرئيس عن قراره إجراء تغيير شامل في مؤسسات الدولة وأجهزتها، يشمل رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب، بالإضافة إلى تعيين قيادة عسكرية جديدة. وأخبر الرئيس المشير بأنه كلف الدكتور مصطفى خليل بتشكيل الحكومة الجديدة، وقرر تعيين المشير ورئيس الأركان محمد علي فهمي مستشارين عسكريين له، وتعيين الفريق كمال حسن علي وزيرًا للدفاع واللواء أحمد بدوي رئيسًا للأركان.

أسف وضيق من التوقيت:

يعلق المشير الجمسي على قرار إقالته معربًا عن ضيقه وأسفه، خاصةً وأن القرار جاء قبل يوم واحد فقط من الاحتفال بالذكرى الخامسة لنصر أكتوبر المجيد. ويتساءل بحزن نبيل يليق بقائد عسكري فذ: “ألم يكن من الأفضل والأنسب أن يتم ذلك في أي يوم آخر؟ من حق رئيس الدولة إجراء التغييرات في أي وقت، ولكنني كنت آمل فقط أن يكون هناك حسن اختيار للتوقيت مراعاة للناحية المعنوية التي تعتبر حدثًا مهمًا في حياة كل مقاتل.”

تساؤلات حول دوافع أعمق:

يرى المشير الجمسي أن السرعة وسوء اختيار التوقيت قد يكشفان الإجابة عن التساؤل حول دوافع الإقالة. فهو يشير إلى أن “تغير السياسات والمرحلة الجديدة التي تحدث عنها السادات تقوم على التخلص من الكفاءات.. ليس في القوات المسلحة فقط ولكن في كل مجال.. فهل كان هذا أحد شروط هذه الاتفاقية الغريبة؟”

رحيل القائد الأسطورة:

في شهر يوليو عام 2003، رحل عن عالمنا المشير محمد عبد الغني الجمسي، الذي اختارته الموسوعات العسكرية واحدًا من أبرع 50 قائدًا عسكريًا في التاريخ. لقد كانت حياته حافلة بالإنجازات العسكرية النادرة لرجل واحد، حيث شارك في معظم حروب مصر، وتوج مسيرته العسكرية بالنصر الباهر في حرب أكتوبر المجيدة. وقد قال عنه الرئيس السادات يومًا: “أنت أصلح للقيادة مائة عام.”

إن إقالة المشير الجمسي بعد فترة وجيزة من توقيع اتفاقية كامب ديفيد تظل علامة استفهام كبيرة في تاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية، وتثير تساؤلات حول تأثير هذه الاتفاقية على المؤسسة العسكرية المصرية ودور قادتها.

اقرأ أيضاً:

الرئيسية

اكتب معنا…..

أبطال حرب الاستنزاف المجهولون

أبطال صنعوا التاريخ

أشعار وقصائد

أخبار الرياضة

حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية

العدد الأول من مجلة أبطال صنعوا التاريخ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى