
تداعيات إقالة غالانت على الداخل الإسرائيلي
كتب ضاحى عمار
منذ اللحظات الأولى لإقالة وزير الدفاع يواف غالانت، عمّت شوارع تل أبيب موجة من الاحتجاجات التي طالبت بتنحي الحكومة ورئيسها بنيامين نتنياهو، ما يعكس أزمة ثقة داخلية تعصف بالقيادة الإسرائيلية حول استراتيجيتها في حرب غزة. هذه الإقالة أتت في وقت حساس حيث تتزايد الخلافات بين القيادة العسكرية والسياسية، خاصة بعد أن طالب غالانت، وهو من حزب الليكود الذي ينتمي له نتنياهو، بضرورة التوصل إلى اتفاق مع حركة حماس للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين المحتجزين، فيما ظل نتنياهو على موقفه الرافض لإنهاء الحرب، مصرّاً على تصعيد الضغوط كحل وحيد لاستعادة الأسرى.
في محاولة لفهم تأثير هذه الأزمة على الأمن الإسرائيلي وسياستها في غزة، تحدثت مع عدد من الخبراء العسكريين والسياسيين المصريين، الذين أبدوا آرائهم حول التداعيات المتوقعة في المستقبل القريب.
انعدام الثقة بين نتنياهو وقياداته العسكرية يراها المستشار يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي والأمني، أن إقالة غالانت في هذا التوقيت تعكس فشلاً واضحاً في التنسيق بين القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية. يقول السبكي: “إقالة غالانت تأتي بعد تصاعد التباينات الداخلية في إدارة الحرب في غزة. هذا القرار قد يحمل تبعات خطيرة على معنويات الجيش ويزيد من حجم الانتقادات الداخلية، لا سيما أن الانقسامات باتت مكشوفة للأعداء، مما قد يعزز من جرأتهم ويضعف من موقف إسرائيل التفاوضي”.
وأضاف السبكي أن هذا النوع من الخلافات يُعد نقطة ضعف واضحة في البنية الأمنية الإسرائيلية، خصوصًا في ظل تصاعد وتيرة العمليات في غزة وحاجة القيادة الإسرائيلية لتماسك داخلي قوي في مثل هذه الأوقات الحرجة.
على صعيد آخر، يرى الدكتور أحمد رفيق عوض، مدير مركز القدس للدراسات، أن قرار الإقالة يحمل دلالات خطيرة قد تهدد استقرار إسرائيل الداخلي، حيث قال: “نتنياهو لم يترك مجالاً لغالانت للتفاوض، بل اختار الإقالة كخيار لحسم الخلافات بينهما، وهذه الخطوة قد تؤدي لتفكك التحالفات السياسية في الداخل الإسرائيلي”. ويشير عوض إلى أن انعدام الثقة هذا يمكن أن يشجع خصوم إسرائيل في المنطقة على استغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، ما يزيد من حدة الأزمة الإقليمية ويضاعف من تعقيداتها.
يرى عوض أن هذا الانقسام قد يكون له أثر سلبي على الشعب الإسرائيلي الذي يشعر بعدم الثقة في حكومته الحالية، مما يدفع نحو مزيد من الاحتجاجات ويخلق حالة من الاضطراب الاجتماعي الذي قد يؤثر على قدرة الدولة في المحافظة على الجبهة الداخلية متماسكة
المهندس فتحي شومان، رئيس الاتحاد الشبابي لدعم مصر والمحلل السياسي المهتم بالشؤون الإقليمية، يرى أن إقالة غالانت قد تكون نقطة تحول في مسيرة حكومة نتنياهو. يقول شومان: “في ظل زيادة الضغوط الداخلية والتوترات السياسية، قد تشهد إسرائيل تراجعاً في شعبيتها الدولية كدولة ديمقراطية، خصوصًا مع تزايد الاعتقالات والاحتجاجات التي تحدث في الداخل”.
وأشار شومان إلى أن موقف نتنياهو المتشدد من الحرب قد يكون خيارًا محفوفًا بالمخاطر، حيث أن استمرار الحرب واستبعاد الحلول السلمية سيزيد من خسائر إسرائيل على الصعيدين البشري والاقتصادي. وأضاف أن إسرائيل، إن لم تُدرك أهمية الحوار والدبلوماسية، قد تواجه انعزالاً سياسيًا عالميًا خاصة في ظل الانتقادات الدولية المتزايدة التي تواجهها بسبب حملتها في غزة.
منذ إعلان الإقالة، تواصلت الاحتجاجات الشعبية في إسرائيل، حيث خرج مئات الإسرائيليين في تل أبيب وأماكن أخرى، رافعين شعارات تندد بالحكومة وقراراتها. بعض الأصوات السياسية المعارضة، مثل رئيس حزب “الديمقراطيين” يائير غولان، دعت المواطنين إلى النزول للشوارع للتعبير عن رفضهم للقرار، مؤكدين أن الحكومة الحالية تقدم مصالحها السياسية على حساب الأمن القومي.
هذا التوتر يعكس انقساماً حاداً في المجتمع الإسرائيلي، حيث يعتبر البعض أن إقالة غالانت هي خطوة تعزز من هيمنة نتنياهو وتقلل من استقلالية المؤسسة العسكرية في اتخاذ قراراتها. من جهة أخرى، يؤيد أنصار نتنياهو القرار، معتبرين أن غالانت خان الثقة وأحدث بلبلة في صفوف القيادة العسكرية كان من الأفضل تجنبها.
إن استقالة غالانت قد تكون البداية لسلسلة من التغييرات في المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة نتنياهو على السيطرة على هذا الوضع المتأزم. فالتحديات الداخلية، وفق رأي الخبراء، ستزيد من الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، خاصةً إذا استمرت الاحتجاجات وتصاعدت الأصوات المعارضة داخل صفوف الليكود وخارجه.
وفي ظل هذا الوضع المتأزم، قد تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى استراتيجيات جديدة للتعامل مع الأزمة في غزة أو السعي نحو تفاهمات داخلية تقلل من حدة الانقسامات. ومع ذلك، يرى كثير من المراقبين أن فشل الحكومة في تحقيق التوازن بين الأمن القومي والاستقرار الداخلي قد يؤدي في النهاية إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي في إسرائيل.
يقول المستشار يونس السبكي: “التغيرات الجذرية المتوقعة في الحكومة الإسرائيلية قد تكون نتيجة حتمية للانقسامات المتزايدة. لن تكون الإقالة مجرد حدث عابر، بل قد تكون بمثابة ناقوس خطر للقيادة الإسرائيلية بأن السياسات الأحادية قد لا تكون الحل الأمثل في هذه المرحلة الحساسة
باختصار، تشير هذه التطورات إلى أن إسرائيل في مفترق طرق حقيقي. فإذا لم تتمكن من تحقيق التوازن بين الطموحات السياسية والضرورات الأمنية، قد تجد نفسها في مواجهة تحديات أكبر من الداخل والخارج، وهي مرحلة تتطلب قيادة حكيمة تعيد النظر في السياسات الحالية وتحاول بناء توافق حقيقي قبل أن تتفاقم الأزمة






