
وقائع التاريخ الإسلامي: الجزء الأول “عصر الخلفاء الراشدين”
كتب: محمد يونس الفضالي
سلسلة عن أهم أحداث ووقائع التاريخ الإسلامي العظيم بداية من عصر الخلفاء الراشدين حتى سقوط الدولة العثمانية في القرن الماضي، وفي الجزء الأول من هذه السلسلة والذي صدر حديثًا، تحدث الكتاب عن أهم الأحداث التي وقعت في عصر الخلفاء الراشدين، الهدف منها ليس سرد حكايات عن الخلفاء، ولكن الهدف هو إعادة نقل وكتابة هذا التاريخ العظيم بشكل صحيح وتنقيته من الأكاذيب والأباطيل التي دُسَّت فيه، وذلك للنيل من الصحابة ومكانتهم الرفيعة في نفوس المسلمين.
كما تم توجيه بعض الانتقادات بطريقة علمية لكثير من الكتَّاب والأدباء والمؤرخين الذين نشروا أكاذيب وأباطيل وأدخلوا في هذا التاريخ العظيم ما ليس فيه، وتوضيح الكثير من الحقائق حول الأمور والقضايا الخلافية التي وقعت في دولة الخلفاء الراشدين وقد التبس على الناس فهمها، وتم تحليل الأحداث وعرضها بشكل علمي ودونت من مصادرها الصحيحة دون تشويه أو تزوير وبما يتناسب مع العصر الذي نحن فيه، واستخراج السنن التي تسهم في بناء المستقبل.
إنَّ تاريخ عصر الخلفاء الراشدين ملئ بالدروس والعبر، فإذا أحسنَّا عرضه وابتعدنا عن الروايات الضعيفة والموضوعة وعن كتب المستشرقين وأذنابهم من العلمانيين والروافض وغيرهم، واعتمدنا منهج أهل السنَّة في الدراسة نكون قد أسهمنا في صياغته بمنظور أهل السنَّة، فالصحابة الكرام قاموا بتطبيق أحكام الإسلام، ونشروه في مشارق الأرض ومغاربها، فعصرهم خير العصور، فهم الذين علَّموا الأمة القرآن ورووا السنن عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات الأمة.
فقد حمل راية الإسلام بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم خلفاؤه الراشدون وهم: أبي بكر، عمر، عثمان، وعلي رضي الله عنهم جميعًا، ضربوا أروع الأمثلة في الإخلاص والأمانة والورع، فتمكن المسلمون في عهدهم من القضاء على حركة المرتدين في الجزيرة العربية، ومواصلة حركة الفتوحات حتى امتدت رقعة الدولة الإسلامية في أقل من ثلاثين عامًا من تركستان شرقًا إلى أوساط شمال إفريقيا غربًا، ومن أوساط أسيا الصغرى شمالًا إلى بلاد النوبة جنوبًا.
إنَّ إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بمنهج أهل السنَّة والجماعة أصبح ضرورة ملحة لأبناء الأمة، فقد بدأ الباحثين والكتَّاب في صياغة التاريخ من هذا المنظور، لأن الله حمى دينه وحمى أمته، فقيض لتاريخ الصحابة من يحقق وقائعه ويصحح أخباره، ويكشف الستار عن الكذابين من المستشرقين وأتباعهم، وغير ذلك من التحركات والمؤامرات للنيل من الإسلام وأتباعه، بالإضافة إلى الروايات الضعيفة والموضوعة الواردة في مصادر التاريخ الإسلامي لتشويه سيرة الصحابة رضوان الله عليهم، فركَّزوا على التوسع في البحث فيها ما دامت تخدم أغراضهم للنيل من الإسلام، والنيل من أعراض الصحابة الكرام.
لقد قام الأعداء بصياغة تاريخنا وفق مناهجهم المنحرفة، وتأثر بعض المؤرخين المسلمين بتلك المناهج، فأصبحت كتاباتهم في السنوات الماضية ترجمة حرفية لما كتبه المستشرقون وأعداء الأمة، وذلك لأنهم لا يملكون تصوُّرًا حقيقيًا للإسلام وطبيعته، حيث أن كتابة التاريخ الإسلامي تحتاج إلى إدراك طبيعة الفكرة الإسلامية ونظرتها إلى الحياة والأحداث والأشياء، وتأثيرها في الأرواح والأفكار وصياغتها للنفوس والشخصيات، ودراسة الشخصيات الإسلامية على وجه الخصوص تقتضي إدراكًا كاملًا لطبيعتها الإسلامية واستجابتها لإيحاءات الفكرة الإسلامية.
إن طريقة استجابة تلك الشخصيات لهذه الإيحاءات مسألة هامة في صياغة شعورها بالقيم وسلوكها في الحياة وتفاعلها مع الأحداث، ولن يدرك طبيعة الفكرة الإسلامية ولا طريقة استجابة الشخصيات الإسلامية لها إلا كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيب لها من أعماقه، لا عن رصدها من الخارج بالذهن المتجرد البارد، وبسبب غياب ذلك المنهج وقع بعض المعاصرين من المؤرخين والأدباء والكتَّاب في تشويه صورة سلف هذه الأمة، وأظهروا الصحابة بمظهر المتكالب على الدنيا وسفك الدماء، للوصول إلى الغايات التي ينشدونها، فتناولوا ذلك بعيدًا عن فهم حقيقة الجيل الذي تربي في مدرسة النبي صلي الله عليه وسلم، وبعيدًا عن تأثرهم بالإسلام وعقيدته وأصوله.
بسبب تلك الكتابات نشأ جيل لا يعرف عن تاريخه إلا الحروب وسفك الدماء والخداع والمكر والحيلة، وأصبحت صورة الصحابة رضي الله عنهم جميعًا مشوهة، مما جعل بعض المسلمين يردد تلك الأباطيل دون أن يعي الحقيقة، ولقد حثَّنا وأمرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم باتباع سنَّة الخلفاء الراشدين والاهتداء بهديهم، قال صلي الله عليه وسلم (عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
لقد تتبعت سيرة وحياة الخلفاء الراشدين المتناثرة في الكتب والمصادر والمراجع، سواء كانت تاريخية أو فقهية أو أدبية أو تفسيرية، فقمت بقراءتها ودراستها حسب وسعي وطاقتي، وقمت بجمعها وترتيبها وتوثيقها، فذكرت أسمائهم ونسبهم وأُسرهم، وحياتهم في الجاهلية والإسلام، ومواقفهم مع النبي صلي الله عليه وسلم، وجهادهم ومواقفهم في المجتمع المدني، كما ذكرت أهم أعمالهم والفتوحات في عهدهم رضي الله عنهم جميعًا.
كما تحدثت بشكل مفَّصل عن فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتفاقم هذه الفتنة في عهد على بن أبي طالب والتي أدت أيضًا إلى مقتله رضي الله عنه، وكيف أثرت هذه الفتنة على الدولة الإسلامية، وأدت إلى توقف حركة الفتوحات تمامًا نتيجة قتال المسلمين لبعضهم البعض، وقد تحدثت عن كل ذلك بشكل صحيح من مصادره الصحيحة، وتم توضيح وتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي ترسَّخت في عقول كثير من الأجيال عبر التاريخ قديمًا وحديثًا، ونرجو أن يكون ذلك بمثابة شعاع نور يقوى مع الزمن ليبدد هذا الظلام الدامس.






