
ومضات مسكوت عنها مع الكاتب وعالم المصريات أ. إسلام مكرم
مناقشة وحوار منى عبد اللطيف
في البداية بنرحب بحضرتك أ. إسلام
أهلاً بحضرتك يا أستاذة منى
– عرف نفسك لقرائك في سطور .
إسلام مكرم ، متزوج ، ما عنديش أولاد، تجاوزت الخمسين من العمر .
دراستي تنقسم إلى قسمين :
أولاً: درست اللغة الفرنسية من الصغر في مدرسة الفرير بالظاهر . ثم درست الأدب الفرنسي في الجامعة و الترجمة من و إلى الفرنسية .
ثانيا : درست الحضارة المصرية القديمة ، في جامعة حلوان و تعمقت في علم المصريات من خلال دراسات حرة مع علماء آثار فرنسيين من معهد اللوڤر و الأكاديمية الفرنسية.
– هل كان لعملك في مجال السياحة والآثار أثر في كتاباتك؟
ده شئ مؤكد… عملي بالسياحة و الآثار كان وليد حب و عشق لوطني ، و ليس وليد الصدفة أبدا . و كان بهدف المعرفة و إشباع الهواية قبل أن يكون بهدف الربح أو كسب العيش . اكسبني ذلك خبرات و تجارب ، و شكل جسراً بين نشأتي المصرية من جهة و بين الثقافة الغربية من جهة أخرى.
تأثير ذلك علي تفكيري ثم علي كتاباتي ، أنه جعلني أكثر موضوعية و عقلانية ، أهتم بالجوهر دون الإطار الخارجي ، فأصبحت أخاطب عقل القارئ بصفته إنسان فقط ، دون النظر لجنسيته .
– أصبحت عبارة “التاريخ المسكوت عنه” تتردد كثيرًا مؤخرًا ، من خلال خبرتك هل يتم تناول التاريخ المصري القديم بشكل صريح من خلال المناهج التعليمية، وإن لم يكن فما الأسباب من وجهة نظرك؟
الحقيقة ان هذا السؤال شديد الحساسية ، لكني كنت أتوقعه منك .
الإجابة بالنفي طبعاً .
1- عن التاريخ المسكوت عنه في مناهج التعليم :
هل تعرفين ماذا يدرس الطالب في منهج التاريخ في الصف السادس من مرحلة التعليم الأساسي في فرنسا ؟
هل يدرس تاريخ بلده فرنسا ؟ تاريخ قارته أوروبا مثلاً ؟
كلا.. المنهج مخصص لدراسة بداية الحضارة في العالم، مخصص لدراسة التاريخ المصري فقط ( طوال السنة الدراسية) .
بينما أبنائنا يدرسون تاريخ تركيا متمثلاً في الدولة العثمانية ، و تاريخ العراق متمثلاً في الدولة العباسية…. إلخ أكثر مما يدرسون تاريخ بلدهم مصر ، التي صنعت حضارة العالم .
و القليل مما يدرسونه ، لا يعدو أن يكون بعض الأحداث التاريخية الرئيسية ، مع تجاهل تام للدور الحضاري لمصر . و الفارق شاسع بين التاريخ و الحضارة .
2- عن التاريخ المزور في التعليم والإعلام علي السواء :
هل تابعتي حضرتك الأعمال الدرامية المسماة بالتاريخية ( و هي في الحقيقة دينية) ؟
يختصرون كل ملوك مصر القديمة في شخصية فرعون موسى ، و يصورونهم علي أنهم عبدة أصنام ، جبابرة و طغاة.
يتغنون بالعدل في العصر الأموي أو العباسي ( و لا خلاف على ذلك) . أفلا يعلمون أن العدل و القضاء ولدوا علي أرض مصر ؟
يتشدقون بما نالته المرأة العربية من حقوق ( من وجهة نظرهم) ، بينما المرأة في مصر القديمة تمتعت بمساواة شبه كاملة مع الرجل .
و أقول لهم :
أولى بكم إذا تناولتم العلوم الإنسانية في أعمالكم ، أن تنسبوها إلى أصحابها ، أو على الأقل تشيروا إلى من بدأها و طورها و نقلها للعالم . تحريا للأمانة العلمية .
و حرصًا على توعية النشأ ، و المجتمع كله بقيمه و حضارته الأصيلة و ليست الوافدة .
ومضات مسكوت عنها مع الكاتب وعالم المصريات أ. إسلام مكرم
– استوقفتني معلومة بإحدى ندواتك وهي أن الفراعنة كانوا موحدين ، حدثنا عن ذلك .
سأترك الحكيم آني يرد على حضرتك .
اسمعيه و هو يصلي :
أنت ملك الملوك .
أنت سيد السماء ، أنت سيد الأرض
أنت خالق المقيمين في الأعالي
وخالق القاطنين في الأعماق .
أنت الإله الواحد الأحد الذي خلق الزمان و خلق المكان .
أنت الموجود قبل الوجود
وأنت الباقي بعد فناء كل شيء .
كان المصري القديم يناجي الإله في صلواته بصيغة المفرد . لم يقل أبدا أنتم، إنما قال أنت .
هذا الإله هو من خلق القوى الكونية العظمى.
و أختار المفكر المصري القديم لهذه القوى رموزًا مختلفة , بأشكال و أسماء من عنده .
أطلق عليها في لغته كلمة ” #نتر ” و جمعها ” #نترو ” .
تترجم في اللغات الاخري ب ” #إله ” و جمعها ” #آلهة ” .
بينما القوة العظمى التي خلقت كل شئ و التي ينبثق منها كل ال ” #نترو ” هي الإله الواحد الأحد , و له أسماء عديدة من بينها “#رع” او ” #اتوم_رع ” .
كل الأسماء الأخرى، ليست آلهة حقيقية مستقلة، إنما هي تجليات ل ” #اتوم_رع ” .
أي أن كل التجليات تنصهر في اتون واحد هو الإله الواحد .
– الكثير من الشعوب متحدين مع أصولهم معتزين بحضاراتهم التي لا تسمو لعظم الحضارة المصرية القديمة، ورغم ذلك نجد أن غالبية الشعب المصري اليوم منفصل عن جذوره وحضارته بل يصل الأمر أحياناً حد تحريم التماثيل واللوحات الجدارية، في اعتقادك ما أسباب ذلك؟
من وجهة نظرى المتواضعة ، و من خلال إستعراض الأحداث من خمسينيات القرن الماضى حتى الآن ، أرى أن بداية الأزمة تمثلت في وجود رغبة سياسية لطمس الهوية المصرية الأصيلة ، لصالح هوية عربية وافدة . تلي ذلك هجمة وهابية شرسة ربطت الإسلام بالعروبة . روج لها أناس يحاكمون أي ثقافة مختلفة ، بل و يكفرونها . سيطروا علي التعليم و الإعلام .
استبدلوا الجمال بالقبح ، و استبدلوا العلم بالخرافة .
و طوعوا الدين لتعمية الشعوب و فصل الناس عن واقعهم و ماضيهم .
فحرّموا الفنون و العلوم و الآداب . حتى الرياضة ، يسعون الآن لشرائها ، و شراء القوى الناعمة المصرية بأكملها ، بحثا لأنفسهم عن دور ، هو أكبر من حجمهم .
اليوم يلتقي فريقي الأهلي و الزمالك في نهائي كأس مصر لكرة القدم .
أين يلتقون ؟
في الرياض .
بأي منطق يقام نهائي كأس مصر في الرياض؟
لماذا نقول علي المسيحي أنه قبطي؟
في حين إننا كلنا أقباط ، مسلمين و مسيحيين .
لأن كلمة قبطي تعني مصري و هى موجودة قبل ميلاد السيد المسيح .
أسئلة كثيرة تحتاج لإجابات منطقية .
– شاركت مؤخرًا د. سمير الشربيني في رواية رحلة نمرود ، حدثنا عنها .
مع الأسف ، أن القارئ المصري ، بصفة عامة لا يهتم بالأعمال التي تتعلق بالعصر المصري القديم . رواية رحلة نمرود هي تجربة فريدة من نوعها و ربما تكون وحيدة ، فعلى حد علمي هي أول رواية يكتبها كاتبان معًا .
الدكتور سمير كان يريد من خلالها أن يسرد لنا سيرة ذاتية تخص أحد معارفه . و لن أتحدث نيابة عنه ، فهو أقدر مني على ذلك .
أما من جانبي ، فكانت لدي رسالتين أرغب في نقلهما للقارئ .
الرسالة الأولى :
أن ما قدمه الإنسان المصري القديم ، ليس تاريخًا و إنما حضارة ، لا ترتبط بزمان أو مكان .
لذلك نجد أحداث الرواية تدور في العصر الحديث و تتنقل بين مصر و دول أخرى، الشرقية منها و الغربية . لذلك كانت الحوارات بين شخصيات الرواية ، تدور حول هذا المعنى .
هدفي الأساسي كان تعريف القارئ ( بطريق غير مباشر) ، بحاجة اسمها قيم #الماعت وهي قيم أجدادنا العظماء ، التي مكنتهم من صياغة حضارة إنسانية راقية . و مزج هذه القيم بحياتنا اليومية ، و سلوك البعض منا و تصرفاتنا المعاصرة . و وضعنا أنا و سمير هذه القيم أو لمحة منها في كل حدث من أحداث الرواية ، و التي تدور في عصرنا الحديث و في بلاد مختلفة .
و كان متعمدًا ، التنويه لثقافات و ديانات شخصيات الرواية المختلفة ، للتأكيد علي أن هذة المعاني ، هي معانٍ إنسانية ، لا تتقيد بأرض معينة و لا زمان معين .
إذ إنها عالمية.
الرسالة الثانية :
أن كل ما يدعو اليه مفكري العصر ، و خبراء التنمية البشرية و حتى الأديان الإبراهيمية ، سبقهم إليه حكماء مصر القديمة.
ومضات مسكوت عنها مع الكاتب وعالم المصريات أ. إسلام مكرم
– أول أعمالك كان ديوان شعر باللغة الفرنسية وتم تكريمك عنه ، حدثنا عن ذلك ، وهل ننتظر ترجمة قريبة لرواية رحلة نمرود إلى الفرنسية ؟
منذ نعومة أظافري ، أعشق الفن و الشعر و الأدب ، بدأت أول كتاباتي للشعر باللغة الفرنسية عندما إلتحقت بما يسمي پأكاديمية الشعراء ، التي كانت ترعاها السفارة الفرنسية آن ذاك ، و أصدرت ديوان شعر بعنوان أحلام الشباب و كنت وقتها في السادسة عشر من العمر ، و طُبع ووزع في مصر وفي فرنسا .
و كتبت عنه بعض المحلات الفرنسية ، التي كانت تنشر لي قصائدي .
و فعلاً حصلت علي جائزة رمزية و تشجيعية أعتز بها .
فكرة جميلة أن أترجم رواية رحلة نمرود إلى الفرنسية ، أشكرك عليها .
ربما يحدث هذا قريباً .
– ما مشاريع د. إسلام مكرم الأدبية القادمة؟
كتابة رواية جديدة استطيع من خلالها المزج بين القديم و الحديث ، و تدور كل أحداثها في مصر القديمة .
أعلم انها مغامرة ، فهناك روايات من هذا النوع لأديب نوبل العظيم نجيب محفوظ لم تلاقي ما تستحق من نجاح و من إهتمام ، سواء من القراء أو من منتجي الدراما أو حتي من النقاد.
مثل: رواية كفاح طيبة و رواية عبث الأقدار .
– هل السفر والاطلاع على الثقافات والعادات الاجتماعية الأخرى أسهم في إضفاء طابع مختلف على رؤيتك وتفسيرك للتاريخ، ولما يحدث في العالم اليوم من أحداث؟
لا شك في ذلك .
طبعاً أسهم ذلك في صياغة أفكاري و ربما شخصيتي أيضًا. مع الأسف جزء كبير جدًا مما تعلمناه كان موجها . المجتمعات العربية بصفة عامة ، لا تقبل الإختلاف ، و تهتم بالشكل دون المضمون ، تخلط الدين بالسياسة و تخلط الدين بالتاريخ ، تقلل من شأن المرأة و تميل لسحق الفرد لصالح الجماعة ،
و تنسى أو ربما تتناسى أن الفرد هو اللبنة الأولي لأي مجتمع ناجح ، و لابد من توفير مقومات أساسية له ، علي رأسها حرية الفكر و العقيدة حتي تتفجر طاقاته الإبداعية . فعم الظلام و هاجرت العقول نتيجة ذلك .
إستغل الغرب هذة الثغرة في ثقافتنا و نفذ منها بسهولة ، فتحول الإستعمار العسكري إلى إستعمار للعقول . و أستبدل الدبابات بسلاح التفرقة العرقية و الدينية . و نحن ، مع الأسف ، من قدمنا له هذا السلاح ، فصرنا ندمر أنفسنا ذاتيا .
– أترك كلمة لجمهورك .
. أخي القبطي إبن مصر ، أو فلنقل إبن كيميت .
إعلم أن هويتك المصرية هي أصلك و حقيقتك ، و هي التي مهدت لمسيحيتك و إسلامك ، و لا تتعارض معهم أبدا ، بل تؤكدهم .
لك أن تفخر بمصريتك .
– في النهاية أحب أن أشكرك على هذا الحوار الرائع وإلى لقاء قريب بمشيئة الله في ندوتنا بعد عيد الفطر المبارك.
– العفو… شرفت وسعدت كثيرًا بالتحاور معك أ. إسلام،
إلى لقاء قريب بإذن الله.






