اخصائي نفسيالأسبوع العربي

حين تؤذيك الأماكن والبشر

حين تؤذيك الأماكن والبشر
بقلم / سهير محمود عيد
في أوقات كثيرة، يفتكر الإنسان إن التعب اللي جواه سببه ضغوط الحياة، أو كثرة المسؤوليات، أو حتى الحظ السيئ. لكنه مع الوقت يكتشف حقيقة مختلفة تمامًا… إن أكثر شيء قادر يطفّي الروح من الداخل هو وجوده في المكان الخطأ، وسط الأشخاص الخطأ.
المكان الخطأ مش لازم يكون بيت أو شغل وبس، أحيانًا يكون علاقة، أو دائرة معارف، أو حتى جلسة بتتكرر كل يوم وتستنزف طاقتك بدون ما تحس. تدخل المكان وأنت مليان حماس، تخرج منه وكأن الحياة انسحبت منك بهدوء. تضحك مجاملة، تتكلم بحذر، وتخفي نفسك الحقيقية خوفًا من الانتقاد أو السخرية أو عدم التقدير.
وأصعب شيء إن الإنسان أحيانًا يعتاد الأذى. يتأقلم مع الشعور الثقيل، ويقنع نفسه إن ده الطبيعي. يبرر قسوة الناس، ويتحمل التقليل من قيمته، فقط لأنه خائف من الوحدة أو التغيير. بينما الحقيقة إن الوحدة المؤقتة أرحم ألف مرة من الاستمرار وسط أشخاص يطفئون نورك كل يوم.
هناك أشخاص وجودهم يشبه الغرق البطيء. لا يجرحونك بشكل مباشر، لكنهم يقللون منك باستمرار، يسخرون من أحلامك، يستهينون بمشاعرك، ويجعلونك تشك في نفسك. ومع الوقت تبدأ تفقد ثقتك، وتتحول لشخص مرهق نفسيًا، رغم إنك في الأصل كنت ممتلئًا بالحياة.
الروح تشبه الزرع. مهما كانت قوية، لو وُضعت في تربة سيئة ستذبل. الإنسان أيضًا يحتاج بيئة تشبهه، تحتويه، وتمنحه الأمان النفسي. يحتاج أشخاصًا يشعر بينهم أنه ليس مضطرًا للتظاهر طوال الوقت. أشخاصًا لا يخجل من ضعفه أمامهم، ولا يخاف من التعبير عن نفسه.
المشكلة إن بعض الناس يظنون إن التحمل قوة مطلقة، فيستمرون في أماكن تؤذيهم فقط لإثبات أنهم قادرون على الصبر. لكن ليس كل صبر فضيلة. أحيانًا الرحيل هو النجاة الوحيدة. وأحيانًا يكون الابتعاد عن بعض البشر نوعًا من احترام النفس، وليس قسوة أو أنانية.
من حقك أن تترك أي مكان يسلب راحتك النفسية. من حقك أن تبتعد عن أي شخص يجعلك تشعر أنك أقل مما أنت عليه. الحياة قصيرة جدًا لكي نقضيها ونحن نحاول إقناع الآخرين بقيمتنا.
لا تبحث دائمًا عن المكان الذي يقبلك فقط، بل ابحث عن المكان الذي يجعلك تنمو. ولا تتمسك بأي شخص لمجرد أنك اعتدت وجوده، فليس كل من بقي في حياتك يستحق البقاء.
وفي النهاية… الروح لا تموت مرة واحدة، لكنها تتآكل ببطء داخل المكان الخطأ، وبين الأشخاص الخطأ. لذلك، أنقذ روحك قبل أن تعتاد الحزن وكأنه جزء طبيعي منك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى