
حين نصمت ويُسمع الوجع
بقلم . دكتور / رحمه فوده
ليس كل جرح يحتاج أن نحكيه، وليس كل ألم يحتاج إلى شاهد.
فبعض الجراح حين نضعها بين أيدي الناس، لا تجد بالضرورة من يداويها، وقد نجد أنفسنا نشرحها مرة بعد مرة، وندافع عن أسبابها، ونثبت للآخرين أننا كنا محقين في وجعنا، حتى يصبح الألم حكاية نعيد روايتها أكثر مما هو جرح نبحث له عن السكينة.
لا تشكُ جرحك لكل أحد.
ليس لأن البوح ضعف، ولا لأن الصمت فضيلة في كل حال، ولكن لأن لكل وجع موضعًا يليق به، ولكل كلمة قلبًا يستطيع أن يحملها دون أن يزيد ثقلها.
فالناس، وإن أحبونا، يحمل كل واحد منهم همّه الخاص. وقد نصغي أحيانًا إلى وجع غيرنا ونحن مثقلون بوجعنا، فلا نملك له إلا كلمات قليلة، أو نصيحة عابرة، أو مقارنة لا نقصد بها الأذى.
وحين نقارن وجعنا بوجع الآخرين، قد لا نخفف عن أنفسنا، بل نضع فوق جرحنا جرحًا آخر.
نقول: هناك من هو أشد مني ألمًا، إذن لا يحق لي أن أتألم.
أو نقول: أنا تحملت أكثر من غيري، إذن يجب أن يفهم الجميع وجعي.
وفي الحالتين نبتعد عن المعنى الحقيقي للألم؛ فالأوجاع ليست مسابقة، والقلوب لا تُقاس بما تحمله مقارنة بغيرها.
وجعك لا يحتاج إلى أن يكون الأعظم حتى يكون حقيقيًا.
لكن هناك فرقًا بين أن تعترف بألمك، وبين أن تجعل حياتك كلها تدور حول إثباته.
قد نُرهق أنفسنا أحيانًا بمحاولة تفسير ما حدث، والدفاع عن مشاعرنا، وإقناع الآخرين بأننا لم نكن مخطئين في حزننا، حتى ننسى أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى محكمة، وإنما تحتاج إلى أن تُترك لله.
اصمت حين يكون الكلام مجرد إعادة للجرح.
واصمت حين تجد نفسك تحكي القصة لا لتُشفى، بل لتنتصر لها.
واصمت حين يتحول البوح إلى انتظار دائم لأن يمنحك الآخرون الاعتراف بأنك كنت مظلومًا أو أنك كنت تستحق شيئًا مختلفًا.
ليس كل صمت كتمانًا، كما أن ليس كل بوح شفاءً.
هناك صمت يكون امتلاءً بالله.
صمت تجلس فيه مع قلبك دون أن تهرب منه، وتقول لنفسك: نعم، أنا أتألم… لكنني لا أحتاج أن أجعل العالم كله يعرف مقدار ألمي حتى يكون الله عالمًا به.
فهو يعلم ما لا تستطيع الكلمات حمله.
يعلم ارتجافة القلب قبل أن تتحول إلى دمعة، ويعلم الدعاء الذي لم نستطع صياغته، ويعلم ما أخفيناه حتى عن أقرب الناس إلينا.
وحين تضيق بنا الكلمات، ربما يكون أجمل ما نفعله أن نرفع ما فينا إليه.
طبطب على قلبك بذكره.
وردد اسمه حين يعجزك الكلام.
ليس لأن الذكر يمحو كل ألم في لحظته، ولكن لأنه يذكّرك أنك لست وحدك في حمله.
وقد يتأخر ما نرجوه، فنظن أن التأخير نسيان، بينما قد يكون في التأخير معنى لا نراه بعد.
نحن نريد الإجابة حين نطلبها، والطريق حين نختاره، والشفاء حين نتألم، لكن الحكمة الإلهية لا تسير دائمًا على توقيت رغباتنا.
ما عند الله مقضيّ، وإن تأخر عن أعيننا.
وربما كان بعض الألم درسًا خفيًا لا يخبرنا عن قسوة الحياة، بقدر ما يخبرنا أننا ما زلنا أحياء.
فالقلب الذي يتألم ما زال يشعر، والروح التي تبحث عن السكينة ما زالت تعرف طريقها، والإنسان الذي يرفع وجعه إلى الله لم يفقد الطريق، حتى وإن ظن للحظة أنه تاه.
لذلك، لا تخجل من جرحك، ولا تجعل جرحك هويتك.
اعترف به، وارفق بقلبك، وخذ بالأسباب التي تعينك على النهوض، وابح لمن يأمن عليك إن احتجت إلى البوح، لكن لا تجعل حاجتك إلى أن يفهمك الناس أكبر من حاجتك إلى أن يطمئن قلبك.
فبعض الجراح لا تشفى حين يعرفها الجميع.
إنما تبدأ في الشفاء حين نكف عن حملها إلى كل باب، ونضعها عند الباب الذي لا يُغلق.
باب الله.





