
قوة الإنسان في صموده وثباته رغم الألم
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي
القيادي العمالي المستقل، مؤسس ورئيس المجلس القومي للعمال والفلاحين تحت التأسيس
في عالمٍ لا يعترف إلا بالأقوياء، وزمنٍ يُداس فيه الضعفاء، يصبح الصمودُ أعظم أسلحة الإنسان في مواجهة أقداره. الحياةُ ليست نزهةً جميلةً تمضي فيها بلا ألم، وليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل ساحةٌ واسعةٌ لا تهدأ فيها العواصف، ولا تتوقف فيها التحديات. اليوم تواجه عقبةً، وغدًا يسقط أمامك جدارٌ جديد، وبعده تأتيك صفعةٌ أخرى من الأقدار. ستشعر بأنك وحدك، بأن الدنيا ضاقت عليك حتى كادت تخنقك، بأنك أصبحت مُنهكًا من كثرة المعارك التي تخوضها. ولكن في كل مرة تظن أنها النهاية، تُفاجأ بأنك لا تزال قادرًا على الوقوف، على التحدي، على الاستمرار، لأن هناك شيئًا في داخلك يرفض أن يستسلم، شيئًا عنيدًا يأبى الانكسار، شيئًا لا يمكن قتله بسهولة.
ليس كل إنسانٍ يُولد قويًا، بل إن الشدائد وحدها هي التي تصنع الأقوياء. القوة ليست في أن تمتلك جسدًا صلبًا، أو صوتًا مرتفعًا، أو مالًا وسلطةً، بل في أن تمتلك قلبًا لا ينهار، عقلًا لا ينهزم، إرادةً لا تتزعزع. القوة أن تواجه أكثر الأيام سوادًا بابتسامة، أن تنهض بعد كل سقوط، أن تنظر إلى جراحك لا كعلامات هزيمة، بل كأوسمة نصر، تشهد أنك قاتلت ولم تهرب، أنك تحملت ولم تضعف، أنك تجاوزت كل شيء وما زلت هنا، شامخًا، قويًا، لا تهاب شيئًا.
كم مرةً سقطت ولم يكن هناك يدٌ تمتد إليك؟ كم ليلةً قضيتها تتساءل إن كنتَ ستنجو من هذا كله؟ كم مرةً شعرت أن الألم استنزفك، أن الحياة لم تترك لك سوى الرماد؟ لكنك لم تمت، لم تنكسر، لم تتلاشَ في العدم كما توقعت! لأنك أقوى مما ظننت، ولأن الإنسان لا يدرك قوته الحقيقية إلا حين يكون وجهًا لوجه مع أقسى لحظاته.
الحياةُ ليست عادلة، ولن تكون يومًا كذلك. لا تنتظر منها أن تُنصفك، لا تتوقع منها أن تبتسم لك دائمًا، ولا تعتقد أنها ستُكافئ طيبتك ونقاء قلبك، بل كن مستعدًا لأن تتلقى الضربات، لأن تُخدع ممن وثقت بهم، لأن يطعنك أقرب الناس إليك، لأن يخذلك من كنت تظنهم سندك. وعندها، سيكون أمامك خياران لا ثالث لهما: إما أن تستسلم، فتُصبح مجرد رقمٍ آخر في قائمة المنهزمين، وإما أن تنهض، تقاتل، تثبت أن الحياة قد تحاول كسرك، لكنها لن تنجح أبدًا في قتلك.
القوةُ ليست في الانتقام، ولا في الصراخ، ولا في أن ترد الإساءة بالإساءة. القوةُ في الصمت عندما يعتقد الجميع أنك ستنهار، في الابتسامة عندما يتوقعون أنك ستبكي، في الثبات عندما يظنون أنك ستسقط. القوة أن تواجه الدنيا وكأنها لم تؤلمك يومًا، أن تمضي بثقة وكأنك لم تسقط قط، أن تبتسم رغم كل ما رأيته وعشته، لأنك تعلم أن من صمد أمام العواصف، لن يخيفه بعض الغبار المتطاير.
كم من شخصٍ عرف مرارة الخيانة لكنه لم يفقد قدرته على الحب؟ كم من إنسانٍ سقط مئة مرة لكنه نهض في كل مرةٍ أقوى مما كان؟ كم من قلبٍ كُسر، لكنه استمر ينبض بإصرار، رافضًا أن يموت؟ هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون، الذين لم يُخلَّدوا في كتب التاريخ، لكن الحياة سجّلت أسماءهم في سجلات الناجين، في قوائم العظماء الذين قاوموا حتى آخر نفس.
حين تعصف بك الحياة، لا تسأل: “لماذا أنا؟” بل قُل: “لأجل ماذا سأصمد؟” لا تبحث عن الشفقة، لا تنتظر من ينقذك، لا تُعطي أحدًا فرصةً ليراك ضعيفًا. كن الجبل الذي لا تهزه العواصف، البحر الذي لا تخيفه الأمواج، النار التي لا تحترق، بل تحرق كل من يحاول المساس بها.
ليس هناك إنسانٌ لم يمر بمحنة، لم يذق طعم الألم، لم يشعر أنه سقط في حفرةٍ لا قاع لها. لكن الفرق بين الناجين والمنكسرين هو أن الأولين قرروا ألا يسمحوا للحياة أن تهزمهم. هناك من بكى حتى جفّت دموعه، لكنه لم يتوقف عن القتال. هناك من نزف حتى كاد أن يُنهك، لكنه لم يرفع راية الاستسلام. هناك من خسر كل شيء، لكنه لم يخسر نفسه، ولم يسمح للحياة بأن تحوله إلى نسخةٍ بائسة من شخصٍ كان يومًا مفعمًا بالحياة.
الحياةُ ليست سهلة، ولن تكون كذلك أبدًا. ولكن رغم قسوتها، ورغم مرارتها، تبقى هناك لحظاتٌ تستحق القتال من أجلها، تبقى هناك انتصاراتٌ صغيرة تجعلك تشعر أن الألم لم يكن بلا معنى، أن كل سقوطٍ كان درسًا، أن كل خيبةٍ كانت إعدادًا لانطلاقةٍ أعظم.
فلا تدع الحياة تُحبطك، ولا تسمح لليأس أن يجد مكانًا في قلبك، ولا تستسلم حتى عندما يكون الطريق حالك الظلام. لأنك ما دمت تتنفس، ما دمت قادرًا على الوقوف، فإن لديك فرصةً أخرى للقتال، للمحاولة، للانتصار.
كن ممن لا يُكسرون، ممن لا ينحنون، ممن لا يخضعون للظروف، لأن الحياة لا تكرم إلا من يستحق، ولا ترفع إلا من قاوم، ولا تحترم إلا من وقف بشموخ، حتى عندما كان قلبه ينزف.






