معركة جهينة
تقرير: سامح طلعت
في العاشر من أبريل عام 1799، سطرت بلدة جهينة بمحافظة سوهاج صفحات مجيدة من الفخر والعزة في تاريخ مصر. كان هذا اليوم موعدًا حاسمًا كتب فيه أبناء جهينة بأحرف من نور قصة بطولتهم وانتصارهم الساحق على قوات الحملة الفرنسية الغازية. حينها، وجه الفرنسيون نيران مدافعهم الحارقة صوب صدور أبناء جهينة الأبية، متوهمين أن أسلحتهم المتطورة تمنحهم حصانة مطلقة ضد الهزيمة وأن جيشهم الذي اجتاح أوروبا لا يُقهر.
تجمع أبطال جهينة: عزم وإيمان في مواجهة الغطرسة الفرنسية
لكن أبناء جهينة الأحرار لم يرتعبوا من قوة النيران الفرنسية، بل هبوا عن بكرة أبيهم لتلقين الغزاة درسًا قاسيًا لن ينسوه. جمعوا عدتهم وعتادهم المتواضع، المتمثل في الأسلحة البيضاء والسهام والخيل والجمال والنبال، وتأهبوا لمواجهة جيش جرار مدجج بأحدث الأسلحة. اصطف الفريقان في ساحة المعركة: فريق معتدٍ سافرٍ باغٍ يسعى للخراب والدمار، وفريق آخر متمسك بأرضه وعرضه، يدافع عن حقه الأصيل، متحصنًا بالعزيمة والإيمان الراسخ، وواثقًا بأن النصر لا يأتي إلا من عند الله.
خبرة أبناء الصحراء: الصبر والجلد يحيلان نيران العدو إلى رماد
بفضل خبرتهم العميقة بحروب الصحراء وقدرتهم الفائقة على التحمل والصبر والجلد في مواجهة الظروف الصعبة، استطاع أهالي جهينة أن يذهلوا الأعداء ويصدموا قادتهم. سقط العديد من الشهداء الأبرار الذين روت دماؤهم الزكية أرض جهينة الطاهرة، لتختلط الدماء بالرمال وتسطر قصة بطولة فريدة. في نهاية المطاف، أجبر صمود أهالي جهينة الأسطوري العدو الفرنسي على التقهقر والانسحاب مذلولًا، وتوقفت المدافع الفرنسية صاغرة أمام إرادة وعزيمة هؤلاء الأبطال. وامتلأت شوارع جهينة بجثث الجنود الفرنسيين الذين لم يجدوا من يبكي عليهم أو يواريهم الثرى.
بسالة وشهامة: الفضل العظيم في كسر شوكة الغزاة
لقد كان لبسالة وشهامة أهل جهينة الفضل العظيم والنصيب الأكبر في صد هجوم الغزاة والتصدي للفرنسيين ببسالة لا تُضاهى. سجل التاريخ بأحرف من ذهب هذه المعركة الحاسمة التي تُعد أول هزيمة حقيقية مُني بها الجيش الفرنسي في صعيد مصر خلال فترة الحملة النابليونية. لقد استطاعت جهينة بصمود وجسارة أبنائها أن ترفع رأس الصعيد عاليًا وتثبت للعالم أجمع أن الإرادة الشعبية والعزيمة القوية يمكن أن تتغلب على أعتى القوى العسكرية.
شواهد حية على البطولة: آثار المدافع ومقبرة الأربعين شاهدة على العصر
لا تزال آثار هذه المعركة التاريخية شاهدة على بسالة أهالي جهينة حتى يومنا هذا. فما زالت فتحات وثقوب المدافع الفرنسية واضحة في جدران العديد من المباني القديمة بالبلدة، تحكي للأجيال القادمة قصة الصمود والتضحية. كما لا تزال مقبرة الأربعين شامخة، والتي سميت بهذا الاسم تخليدًا لذكرى أربعين شهيدًا من أبناء جهينة الذين ضحوا بأرواحهم فداءً للوطن في هذه المعركة الخالدة.
العاشر من أبريل: يوم العزة والفخر.. العيد القومي لمحافظة سوهاج
تقديرًا لهذا النصر العظيم والتضحيات الجليلة التي قدمها أهالي جهينة، اتخذت محافظة سوهاج من يوم العاشر من أبريل عيدًا قوميًا لها كل عام. في هذا اليوم، تحتفل المحافظة بذكرى هذه المعركة الخالدة وتستلهم منها قيم العزة والكرامة والوحدة الوطنية. تُقام الاحتفالات والفعاليات المختلفة لتذكير الأجيال الشابة ببطولات الأجداد وأهمية الحفاظ على تراب الوطن والدفاع عنه بكل غالٍ ونفيس. إن يوم العاشر من أبريل هو يوم تجديد العهد على الولاء والانتماء لهذه الأرض الطيبة والتأكيد على أن تضحيات الأجداد لم تذهب سدى.
إرث جهينة: مصدر إلهام للأجيال القادمة
ستظل معركة جهينة في العاشر من أبريل عام 1799 علامة فارقة في تاريخ مصر، وستبقى قصة صمود أبنائها الأبطال مصدر إلهام للأجيال القادمة. إنها قصة تؤكد أن قوة الإيمان والعزيمة والوحدة الوطنية هي أقوى من أي سلاح، وأن الشعب المصري قادر على تحقيق المستحيل عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن أرضه وكرامته. سيظل العاشر من أبريل يومًا محفورًا في ذاكرة محافظة سوهاج وذاكرة كل مصري حر أبي، يومًا يجسد معنى البطولة الحقيقية والتضحية في سبيل الوطن.
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية




