
فلسفة اللذة والألم وثقافة الدوبامين
دراسة وتحليل د/علوي القاضي
حركة الحياة ذات قطبين ، وهي تسير في اتجاهين إما تحقيق اللذه ، أو تحمل الألم ، ويتجلى هذا المعنى في بكاء الطفل من الألم لحظة ولادته ، والجميع من حوله في قمة اللذه حتى الأم رغم ٱلام الحمل الولادة تكون في قمة اللذة حينما تسمع بكاء وليدها ، ونفس الطفل عند موته شيخاً يبتسم وهو في قمة اللذة بعدما يرى مقعده من الجنة ويشم رائحة الطيب مع الملائكة لإستلام روحة ، ونفس الأهل من حوله يبكون لفراقة والشخص هو هو ، يالتفاهة الحياة وسطحيتها
و اللذة تتحقق في حالتين : إما أن تتحقق في حد ذاتها من خلال مواقف وأحداث تؤدي لها ، أو في البُعد عن مصادر الألم وتجاوزه ، وهذا التجاوز في حد ذاته له لذة ، كذلك الألم يحدث من موقف مباشر يسبب الألم أو عند فقد مصدر من مصادر اللذة
ومابين اللذة والألم فهناك أمل في الحياة ، فالحياة رحلة مليئة بالتناقضات ، فهي تتراوح بين الأمل و الألم واللذة ، ونحن كبشر نعيش في دائرة لانهائية من التجارب والمشاعر المختلفة ، نحاول أن نعيش في ظل الأمل ، وهو مايمنحنا القوة والعزيمة لمواجهة التحديات والصعاب ، ف الأمل يمثل النور الذي زرعه فينا الخالق سبحانه ليضيء طريقنا ويمنحنا الثقة في أن الأيام الأفضل ستأتي ، ومع ذلك فإن الحياة ليست خالية من الٱلام فنحن نواجه الصعاب والمحن ، ونتعرض للخيبات والألم الجسدي والنفسي ، ويمكن أن يكون الألم مصدرًا للتعلم والنمو ، ولكنه يمكن أيضًا أن يكون تجربة قاسية ومؤلمة إنها جزء لايتجزأ من الحياة ، ونحن مدعوون لتجاوزه وتعزيز قدرتنا على التكيف والتحمل في الوقت نفسه ، وتعتبر اللذة زائلة ومؤقتة ، نحن نعيش لحظات السعادة والفرح ولكنها لاتستمر إلى الأبد ، قد نجد اللذة في العلاقات العاطفية أو التفوق والحصول على الشهادات أو النجاح المهني أو الهوايات التي نستمتع بها ، ولكن هذه اللحظات تمر بسرعة وتتلاشى ، في النهاية يجب علينا أن نتقبل هذه التناقضات وأن نحاول إيجاد التوازن بينها ، ويجب أن تكون فلسفتنا في الحياة أن نحافظ على الأمل ونتعامل مع الألم بصبر وقوة ، ونستمتع بلحظات اللذة عندما تحدث ، ولكننا لانعتمد عليها لتحقيق السعادة الكاملة ، إن فهمنا لهذه الحقائق الفلسفية يمكن أن يساعدنا في التعامل مع صعوبات الحياة وأن نعيشها بحكمة ورضا بقضاء الله وقدره
عند معظم الفلاسفة نجد أن من روائع فلسفة اللذة والألم ، والغاية من الوجود الدنيوي أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة ، بل ذاك الذي يظن أنه لذة فهو ليس في ذاته ولكنه الخلاص من الألم ، فإن مايخيل لنا من اللذة عند الأكل فهي لذة الخلاص من ألم الجوع ، ومايخيل لنا من اللذة عند اللبس فهي لذة الخلاص من ألم الحر أو البرد ، فليس للإنسان في حركة حياته إلا حالتين إما حدوث الألم أو الخلاص من الألم والإنتقال إلى آخر ، فهذا أدق تفسير لقول الله تعالى (لقد خلقنا الإنسان فى كبد) والكبد هنا بمعنى المشقة المصحوبة دائماً بالألم
فاللذة والألم مرتبطتان إرتباطاً وثيقاً معاً ، فمن يريد أكبر كمية من اللذة والمتعة ، عليه أن يقبل بكمية تساويها من الألم والوجع ، وإذا قررت تقليل درجة الألم البشري ، فأنت أيضاً تقلل قدرة البشر على الشعور باللذة والمتعة والسعادة ، وتضحية المرء بصحته في سبيل أي نوع آخر من أنواع السعادة ، هو أكبر الحماقات ، لأن التضحية باللذة في سبيل تجنب حدوث الألم مكسب واضح
يسجل كتاب الجسد بين اللذة والألم ، للمؤلف حنا مينا ، مجموعة رؤى وتوجهات ، التي قدمها في باقة متنوعة من الدراسات والمقالات ويطالعنا مينا في كتابه ، بجملة تقديمية مشوقة ، إذ يحكي أن والده قال له : يا حنا ! الدهر دولاب ، لا عمَّك ولا خالك !
، وينتقل ليسجل لنا آخر ماقالته له إمرأة القبو في روايته الشمس في يوم غائم : إسمع يا صديقي ، الرجل لاتذله إلا شهوته ، فلاتدع شهوتك تذلك
وأرى أن الله سبحانه لم يجعل اللذة والسعادة في مال ولانسب ولامتعة ، ولكنه جعلها صلة خفية بين الأشياء وصاحبها ، فلا تأخذوا الأمور على ظواهرها فإن صاحب المرض المزمن لو حمل من الألم ماتظنه أنت حامله ماعاش ، والغني لو نال من اللذة ماتحسب أنه نائله ماوسعته الدنيا ، ولكن التعود والتأقلم على الظروف يبطل اللذة والألم معا ، وتٌهُوٍن السجن على السجين ، والحرب على المحارب ، وتجعل الملك الذي في قصره آلاف الجميلات ، مثل الذي في بيته إمرأة واحدة ! ، إنما اللذة التي لاتفنى ولا تنقص فهي لذة الروح والقلب ، ولذة التأمل ، ولذة التعبد في هدأة الليل ، ولذة المناجي ربه في الأسحار ، ومن هنا قال المتصوفة لو ذاق الملوك مانحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف.
وإلى لقاء في الجزء الثاني إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة.






