
فلسفة اللذة والألم وثقافة الدوبامين
دراسة وتحليل د/علوي القاضي
وصلاً بما سبق فإن تحملنا لٱلام الدنيا طمعاً في لذة الآخرة ، فطريق الجنة محفوف بالمخاطر والٱلام ، وطريق النار محفوف بالشهوات والملذات وطريق الجنة وطريق النار كمثل أحدكم حينما يسافر وحده ، ويري أمامه مفترق طرق
طريق صعب صاعد في الجبل ، وطريق سهل منحدر إلى السهل
الأول : فيه وعورة وأشواك وحُفر ويصعب تسلُّقه ، ويتعثر السير فيه ، وأمامه لوحة كُتبت عليها : إن هذا الطريق على الرُّغم من وعورة أوَّله وصعوبة سلوكه ، هو الطريق الصحيح ، الذي يوصل إلى الغاية المقصودة
والثاني : طريق معبَّد ، تظلّله الأشجار ، فيه كلُّ مايلذ القلب ، ويسرُّ العين ، ولكن عليه لوحة فيها : إن هذا طريق ٌ خطر مُهلك ، آخره الموت المؤكد والهلاك المحقق
فأي الطريقين يسلك؟! لاشك أن الَنفس تميل إلى السهل دون الصعب ، واللذيذ دون المؤلم ، وتحبُّ الإنطلاق وتكره القيود ، هذه فطرة فطرنا الله عليها ، ولو ترك الإنسان نفسَه وهواها ، وانقاد لها سلكَ الطريق الثاني ، ولكن العقل يجب أن يتدخَّل ، ويوازن بين اللذة القصيرة الحاضرة التي يعقبها ألم طويل ، و الألم العارض المؤقت وتكون بعده لذة باقية ، فبذلك يختار الطريق الثاني فهذا مثال عملي لطريق الجنة وطريق النار :
فطريق النار ، فيه كل ماهو لذيذ وممتع ، ويدفع إليه الهوى ، وفيه الإستجابة للشهوات ولذاتها ، وفيه أخذ المال من كل طريق ، وفيه الإنطلاق والتحرر
وطريق الجنة ، فيه المشقات والصٍّعاب ، فيه القيود والحدود ، فيه مخالفة النفس ، ومجانبة الهوى ، ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة في هذا الطريق ، اللذة الدائمة في الآخرة ، فاختر أخي المسلم مصيرك إما الجنة أوالنار
كتاب دولة الدوبامين للطبيبة النفسية ٱنا ليمبيكي
يطرح سؤالًا : كيف نحقق التوازن بين الإستهلاك لكل ماهو ممتع وفيه لذة وإشباع الرغبات بزيادة إفراز الدوبامين لتحقيق السعادة ؟!
لقد جربنا جميعًا الرغبة في المحافظة على إستمرارية المتعة ، إما من قراءة كتاب جيد ، أو مشاهدة فيلم ، أو لعبة فيديو ، أو ممارسة رياضة أو كتابة أدبية أو رسم لوحة ، تلك اللحظات التي نشعر فيها بالخواء بعد إنتهاء السعادة ، فهي لحظة توازن اللذة في الدماغ التي عادة ماتميل إلى إعادة تكرار الألم ، محدثة لك الخواء والفراغ الذي يدعونا إلى الحصول على المزيد من اللذة
هذا الكتاب يهدف لوضع منهج يمكننا من إيجاد التوازن بين اللذة والألم ، لمجاهدة النفس والتخلص من الإستهلاك القهري المفرط بطرق متنوعة ، فنحن محتاجون إلى التجارب الإنسانية الواقعية جداً تقدمها لنا الكاتبة وعالمة النفس (ليمبيكي) من تجارب مرضاها ، فتؤكد أن المجتمعات الإنسانية الحديثة من الناحية الإقتصادية ، تمر بمرحلة سيولة عبثية ، تتراجع فيها أدوار السلطة والنظام أمام الإقتصاد الحر و الإستهلاك والإشباع الفوري والمؤقت للرغبات ، وهذا مارصده عالم الإجتماع زيجموند باومان
لذا يمكن القول أن الطبيبة النفسية آنا ليمبيكي ، إنطلقت من حيث أنتهى باومان ، من خلال رصد وتفنيد وتشخيص الأزمات والإضطرابات النفسية التي يمر بها الإنسان المعاصر تطابقاً مع نظرية زيجموند باومان الإقتصادية وسأتناول هذا الموضوع بإستفاضة في الأجزاء القادمة
.ولاشك أن بعض العلاقات المؤلمة ، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر ، علاجها في هدمها وإنهاءها ، وقد يؤذيك ذلك الهدم مؤقتا ، وقد يشعرك أحياناً بالندم والألم ، وقد يحرق صبرك وأيام من عمرك ولكن إنقاذك يبدأ من هنا
فأنت تظلم نفسك حين تهتم بأولئك الذين يقضون أمتع لحظات حياتهم بدونك ، فقد ينتشلك في لحظة إنهزامك من هو أضعف منك ، لأنه أكثر حكمة ، فإن تعبت في الخير فإن التعب يزول والخير يبقى ، وإن تلذذت بالآثام فإن اللذة تزول والآثام تبقى !
فالبطولة تبدأ ملامحها منذ الطفولة أن تكون لديك القدرة أن تعيش وحيدا ، أن لاتحزن إن هجرك الأصحاب ، وأن تكون صديقاً مُحِبٌاً للكتاب ، وأن تستشعر طعم الأنس في التفكر والتأمل ، وأن تتذوق حلاوة الأنس مع الله ، ويكون لسان حالك أن الله عز وجل وهبني حياتي وهي هديته الغالية إليً ، وكل ما يرافقها من الحب والأحزان ومن اللذة والألم فإنها هدايا ربانية يجب عليّ تقبلها كما هي ، لأن من لايرضي بقضاء وقدر الله لايحصد سوى البؤس والأسي وأن الرضا والإمتنان هما أقرب الطرق للوصول إلي الله ، ولاتنظر لحياتك بإستياء بل تقبلها بامتنان واعلم أن كل منح الله لك من هبات حلوها ومرها فكلاهما يشكلان الحياة فإن رضيت بحياتك جعلها الله ترضي بك ، وإن كان غير ذلك فلا تلومن إلا نفسك
وإلى لقاء في الجزء الثالث إن قدر لنا ذلك وقدرت لنا الحياة.






