أخباردنيا ودينقصة دينية

فضل المجاهدين على القاعدين

فضل المجاهدين على القاعدين

بقلم / محمـــد الدكـــروري

اليوم : السبت الموافق 26 أكتوبر 2024

 

الحمد لله برحمته اهتدى المهتدون، وبعدله وحكمته ضلّ الضالون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، تركنا على محجّة بيضاء لا يزيغ عنها إلا أهل الأهواء والظنون، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم ثم أما بعد، قيل أنه عندما فتحت فارس وسقط مُلك الأكاسرة أرسل القائد الفاتح نفائس الإيوان إلى المدينة المنورة كانت أكواما من الذهب والجواهر في حقائب بعضها فوق بعض حملت من المدائن إلى دار الخلافة لم تنقص ذرة خلال آلاف الأميال، قال ابن جرير لما قدم بسيف كسرى مع بقية الكنوز، قال عمر “إن أقواما أدوا هذا لذوو أمانة” فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

مقالات ذات صلة

“إنك عففت يا أمير المؤمنين فعفت الرعية” فإنها الأمانة أن كانت سلوك أمة وشعار مجتمع ودستور حياة ويوم أن جاءت امرأة إلى أبي حنيفة تبيع له قطعة من قماش فقال لها كم ثمنها قالت مائة درهم، فقال كلا إنها تساوي أكثر من ذلك، فقالت المرأة أتهزأ بي، قال لا، فأحضرا رجل آخر يسعرها فقال إنه تساوي خمسمائة درهم، عجبا المشتري هو من يزيد في ثمن السلعة؟ لماذا؟ إنها الأمانة التي جعلت العالم ابن عقيل كذلك وهو طالب علم يفضل الجوع ويصبر رغم أنه وجد كنزا ثمينا ضاع من صاحبه يقول عن نفسه حججت عام فالتقطت عقد لؤلؤ في خيط أحمر، فإذا شيخ ينشده، ويبذل لمن وجده مائة دينار، فرددته عليه، فقال خذ الدنانير، فإمتنعت وخرجت إلى الشام وزرت القدس وقصدت بغداد ثم وصلت إلى حلب وبتّ في مسجد وأنا بردان جائع.

فقدموني صليت بهم فأطعموني، وكان أول رمضان، فقالوا إمامنا توفي فصلّ بنا هذا الشهر، ففعلت، فقالوا لإمامنا بنت فزوّجوني بها، فأقمت معها سنة، وولدت ولدا بكرا، فمرضت في نفاسها، فتأملتها يوما فإذا في عنقها العقد بعينه بخيطه الأحمر، فقلت لها من أين لك هذا العقد؟ فقالت إن أباها كان له مال وفير وقد إشترى هذا العقد عندما ذهب إلى الحج وضاع هناك فوجده شاب وأبى أن يأخذ مكافأته من أبي، قال فحكيت لها، فبكت وقالت أنت هو والله، لقد كان أبي يبكي، ويقول اللهم ارزق ابنتي مثل الذي رد العقد عليّ، وقد إستجاب الله منه، وهذا هو الصحابي الجليل ابن أم مكتوم رضي الله عنه، في أعقاب غزوة بدر أنزل الله تعالي على نبيه صلى الله عليه وسلم من آي القرآن ما يرفع شأن المجاهدين ويفضلهم على القاعدين، لينشط المجاهد إلى الجهاد.

ويأنف القاعد من القعود، فأثر ذلك في نفس ابن أم مكتوم رضي الله عنه وعز عليه أن يُحرم من ذلك الفضل وقال “يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ؟ يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت” ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل القرآن في شأنه وشأن أمثاله قرءانا يعذره، وكان يبكي ويتألم ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزل قرآنا في شأن ابن أم مكتوم رضي الله عنه المعذور، وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد وجعل يدعو في ضراعة” اللهم أنزل عذري، اللهم أنزل عذري ” فما أسرع أن إستجاب الله سبحانه لدعائه، ففى لحظة واحة نزل أمين وحي السماء على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرآن يتلى إلى يوم القيامة يعذر فيه بن مكتوم وأمثاله ” ولكن انظروا إلى همته العالية فبالرغم انه أُعفى وأمثاله من الجهاد.

فقد أبت نفسه أن يقعد مع القاعدين، وعقد العزم على الجهاد في سبيل الله، ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع الا بكبار الأمور، فحرص منذ ذلك اليوم على أن لا تفوته غزوة، وحدد لنفسه وظيفة في ساحات القتال، فكان يقول أقيموني بين الصّفين أي أوقفوني بينهما، وحمّلوني اللواء أحمله لكم وأحفظه، فأنا أعمى لا أستطيع الفرار، وفي السنة الرابعة للهجرة عقد عمر بن الخطاب العزم على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة تقلب دولتهم وتزيل ملكهم وفتح عمر للجهاد أبوابه ونادى للجهاد في سبيل الله، وأقبلت جموع المسلمين تلبي نداء الفاروق وتنهال على المدينة من كل مكان وكان في جملة هؤلاء المجاهد عبد الله بن أم مكتوم، لابسا درعه مستكملا عدته وندب نفسه لحمل راية المسلمين والحفاظ عليها أو الموت دونها،

والتقى الجيشان في أيام ثلاثة قاسية وإحترب الفريقان حربا لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلا حتى انجلى اليوم الثالث عن نصر مؤزر للمسلمين وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء وكان من بينهم عبد الله بن أم مكتوم، فقد وجد صريعا مضرّجا بدمائه وهو يعانق راية المسلمين.

فضل المجاهدين على القاعدين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى