
( خذ نَفَساً.. فالروحُ ليست للرّكضِ الدّائم )
كتبت الباحة/ نعمة حسن
من قال إن الحياة مجرد آلة طحن لا تتوقف؟ ومن أقنع الإنسان أن قيمته تقاس فقط بعدد الساعات التي يقضيها غارقاً في تعبه؟
إن العالم اليوم يركض بجنون، وفي هذا الركض المحموم، يرتكب الكثيرون خطيئة كبرى في حق أنفسهم: يظنون أن الترويح عن النفس “تفاهة”، وأن المرح “مضيعة للوقت”. وهذا لعمري هو الجهل بعينه! فالذي لا يفقه ثقافة “الفسحة” لا يفقه كيف يُدار المحرك البشري؛ فالنفس إن لم تمنحها ربيعها، جفت وأعلنت عصيانها.
شاحن الطاقة.. سر الإنجاز الأنيق
إن أولئك الذين يحرمون أنفسهم من متعة اللعب والتسلية المباحة والرفاهية، لا يوفرون وقتاً للعمل كما يزعمون، بل يقدمون لعملهم نسخة باهتة، مستهلكة، ومجهدة من ذواتهم.
الترويح ليس هروباً من المسؤولية، بل هو الوقود الذكي الذي يشحن طاقة الإنسان لعطاء قوي، منظم، ومرتب. حين تبتعد قليلاً عن صخب الواجبات وتمنح نفسك لحظة ترفيه تصفي بها ذهنك، يحدث السحر:
تترتب الأفكار: يزول الركام والتشويش، ويعود عقلك حاداً كالسيف.
يتجدد الشغف: تقبل على مهامك بروح مقبلة لا مدبرة، وبشغف يختصر الوقت والمجهود.
تحمى الروح: لأن راحة النفس من صحة النفس، ومن جفّت نفسه، تصحّر فكره.
ثلاثية العمران: كيف تملك وقتك؟
احترام الوقت لا يعني أن تسجنه في قوالب جامدة، بل أن تمنح كل ساعة روحاً وحياة. ولكي تعيش التوازن الحقيقي، ضع وقتك في هذا الميزان الثلاثي:
عمروا وقتكم.. بالبناء والعمل والإنجاز العاقل الذي يترك أثراً.
احترموا وقتكم.. فلا تتركوه نهباً للفوضى، ولا تجعلوه سياطاً تجلد رغبتكم في الحياة.
رتبوا وقتكم.. ترتيباً يضمن للجد صولته، وللقلب خلوته.
واجعل من وقتك وقتاً لرفاهيتك، فهي الجزء الأهم مثل العمل تماماً.
طراوة النفس.. المرجع الرهيب
إن للجسد راحة وللنفس فسحة لا تقل أهمية عن العمل. والرفاهية ليست ترفاً فائضاً، بل هي المرجع الرهيب لطراوة النفس وطمأنينة البدن.
عندما تضحك من قلبك، أو تمارس هواية تحبها، أو تنفصل لبعض الوقت عن هموم السعي، فإنك تعيد هيكلة ذاتك. تعود للميدان لست كمن يُساق بالاضطرار، بل كمن يقود خطاه باقتدار، بإنتاجية مرتبة، وعطاء دافق، وصحة نفسية تجعل للنجاح طعماً أجمل.
فارحموا هذه المضغة التي بين ضلوعكم، وأعطوها حظها من البهجة، لتستقيم لكم الحياة.
اسعد ربي قلوبكم واوقاتكم باحبابكم .
مع تحياتي ..
نعمة حسن





