الأسبوع العربي

غربة العقل

بقلم /احمد درويش العربى
قصة قصيرة من مجموعتى رحلة اللا عودة
وُلد ماجد السُكّري في بيتٍ هادئٍ حدَّ السكون، لا تصدح فيه سوى حركة الحياة دون صوتها. فوالداه، كلاهما، من أصحاب نعمة الخَرس.
لا صراخ، لا عتاب، لا حديث قبل النوم، فقط إشارات وأصابع ترقص في الهواء.
وحده كان مختلفًا.
نطق أولى كلماته في عمرٍ مبكّر، حين صرخ فجأة ببعض الكلمات التى كان يسمعها ممن يأتون الى منزل أبويه للزيارة.
فارتجّ المكان بصوتٍ لم تعتده جدرانه.
لم ينتبه إلى دهشة والديه، لكن الجيران وأقارب العائلة كانوا يشهقون كلما نطق بكلمة. يقولون: سبحان الله! ماجد يتكلم!
لكن المفارقة كانت قاسية:
أن تنمو في عالمٍ لا يُجيد الحديث، بينما أنت تملك حنجرة وسمعًا وقلبًا ممتلئًا بالأسئلة كان الامر شديد الصعوبة .
تربّى ماجد على إيقاع الهمس، صارت الأصوات العالية تزعجه، وصوت الضحك يؤذيه، والاحتكاك بالناس يثقل روحه.
لم تكن لديه ذكريات عن اللعب مع أطفال الحي.
بل كانت ذكرياته تدور عن مراقبتهم من خلف النافذة.
ابتلاع الرغبة في الاختلاط خوفًا من الرفض، أو من الضجيج.
مرت السنوات، وكبر الجسد، لكن شيئًا في داخله ظلّ صغيرًا، خائفًا.
كل محاولات الاندماج كانت تنتهي بصمتٍ أطول، وعزلةٍ أعمق.
بات يكتفي بالحوار مع نفسه.
صنع لنفسه عالمًا خاصًا، داخل عقله، حيث لا أصوات تُؤذيه، ولا بشر يُربكونه.
كانت تلك الرحلة إلى الداخل قد بدأت دون أن يلاحظ.
في البداية، كانت ملاذًا مؤقتًا.
كلما ضاقت به الحياة، أغمض عينيه، وانزلق إلى ذلك المكان الداخلي والذى يرى فيه شوارع خيالية، أصدقاء من نَسْجِ خياله، ووالدان يتحدثان، يضحكان، يغنّيان له.
كان يُعيد تشكيل الحياة التي حُرم منها، بحروفٍ لا تنكسر.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأ الواقع يتلاشى.
لم يعد يُميّز بين الحلم والحقيقة.
أصبح يقضي الساعات، ثم الأيام، في التأمل والصمت.
يحدّق في الجدران دون أن يراها، يسمع ضجيج عقله أكثر من أي حديث خارجي
سأله صديق ذات مرة: أين أنت يا ماجد؟
فاكتفى بابتسامةٍ باهتة، وقال في نفسه:
أنا هناك، حيث لا يصلني أحد
لم يكن مجنونًا، لكنه اختار الغربة عن الناس، والعيش في رأسه… حيث يُمكنه أن يكون محبوبًا، مفهومًا، حيث لا حاجة للصوت كي يفهمه أحد.
وحين حاول أحدهم ممن يطلق عليهم أطباء نفسيين إخراجه من عزلته.
قال ماجد بهدوء وهو يوجهه كمن يتحدث الى الفراغ :

أنا في رحلة داخل عقلي ذلك الذى لا يفهمنى غيره …
ولا أعتقد أنني سأعود…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى