
المولد سيرة وقدوة دائمة
بقلم: المهندس. يـاسـر أبو الغـيط
ليس مولد النبى صلى الله عليه وسلم مناسبةً عابرةً تمر بنا ثم تنتهى بإنتهاء أيامها. وليس المقصود من تذكُّر مولده الشريف أن نملأ الشوارع بالمظاهر الإحتفالية. ثم نعود بعد ذلك إلى حياتنا كما كنا. فالمعنى الأعمق لهذه المناسبة أن نتذكر صاحب الرسالة. وأن نقرأ سيرته بقلوب واعية. وأن نسأل أنفسنا بصدق. ماذا بقى من أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم فى حياتنا؟
لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهدى الإنسان إلى الطريق المستقيم. وليقيم فى النفوس ميزاناً للحق والرحمة والعدل والأمانة. ولذلك فإن أعظم إحتفال بسيرته ليس ما ينتهى بإنتهاء يوم أو يومين. وإنما أن تتحول سيرته إلى سلوك يومى نعيشه في بيوتنا وأعمالنا وعلاقاتنا بالناس.
فالنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن قدوة فى المسجد وحده. كان قدوة فى بيته. وكان قدوة فى تعامله مع أصحابه. وكان قدوة فى رحمته بالضعفاء. وكان قدوة فى صدقه وأمانته وتواضعه وصبره وعفوه. كانت أخلاقه جزءاً من رسالته. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
ومن هنا يصبح الإحتفال الحقيقى بسيرة النبى صلى الله عليه وسلم سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون مظهراً إجتماعياً. هل نصدق فى كلامنا كما كان الصادق الأمين؟ هل نحفظ الأمانة عندما لا يرانا أحد؟ هل نرحم الضعيف؟ هل نعفو عمن أساء إلينا عندما نستطيع؟ هل نحسن إلى الجار؟ هل نعدل فى الحكم على الناس؟ هل نحفظ حقوق الآخرين؟ وهل نعامل من هم أقل منا مكانةً أو قدرةً بالرحمة والإحترام؟
هذه الأسئلة هى التى تمنح ذكرى المولد معناها الحقيقى فى حياة الإنسان. لأن المحبة الصادقة للنبى صلى الله عليه وسلم لا ينبغى أن تبقى مجرد كلمات جميلة نرددها. وإنما تظهر فى السلوك الذى نمارسه كل يوم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فالإقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم ليس شعاراً نرفعه فى مناسبة. وإنما طريق نختاره فى تفاصيل حياتنا.
ولا يعنى ذلك أن نحرم أنفسنا من مظاهر الفرح المباحة بذكرى المولد الشريف. ولا أن نضع الإحتفال فى مواجهة الفرح أو العادات الإجتماعية المباحة. وإنما المقصود ألا تتحول المناسبة إلى مظاهر تنتهى سريعاً بينما تغيب عنها الرسالة التى تستحق أن تبقى معنا طوال العام. فالحلوى قد تكون حاضرة على موائدنا. والأنشودة قد تملأ المكان. والكلمات الجميلة قد تتردد على الألسنة. لكن الأهم من ذلك كله أن يبقى خُلُق النبى صلى الله عليه وسلم حاضراً فى ضمائرنا.
إن أمةً تحتفل بسيرة نبيها ثم تكذب فى معاملاتها لم تفهم جوهر القدوة. ومن يتحدث عن رحمته صلى الله عليه وسلم ثم يقسو على من حوله يحتاج إلى أن يراجع علاقته بهذه السيرة العظيمة. ومن يتحدث عن أمانته ثم يستهين بحقوق الآخرين يحتاج إلى أن يتوقف أمام معنى الإقتداء. ومن يكثر من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يظلم إنساناً أو يهين ضعيفاً أو يقطع رحماً يحتاج إلى أن يسأل نفسه عن المسافة بين ما يقوله وما يفعله.
لقد كانت سيرة النبى صلى الله عليه وسلم مدرسةً كاملة فى بناء الإنسان. فيها الصبر عندما يشتد الألم. وفيها الثبات عندما تكثر المحن. وفيها الرحمة عندما تكون القسوة أسهل. وفيها العفو عندما يكون الإنتقام ممكناً. وفيها التواضع رغم عظمة المكانة. وفيها إحترام الإنسان لكونه إنساناً. وفيها مسؤولية الكلمة. وفيها الوفاء بالعهد. وفيها أن القوة الحقيقية ليست فى القدرة على إيذاء الآخرين. وإنما فى القدرة على ضبط النفس والإنتصار للحق دون ظلم.
ولهذا نحن فى حاجة إلى أن نُخرج المولد النبوى من إطار المناسبة المحدودة إلى معنى أوسع وأبقى. نحتاج أن يكون المولد بدايةً لمراجعة أنفسنا. أن نقرأ السيرة لا لنعرف أحداثها فقط. وإنما لنعرف كيف يمكن أن تغيرنا. أن نقترب من أخلاق النبى صلى الله عليه وسلم فى البيت والعمل والشارع. وفي علاقتنا بالفقير والغنى. وبالقريب والغريب. وبمن نتفق معه وبمن نختلف معه.
فالنبى صلى الله عليه وسلم ليس شخصيةً تاريخية نحتفل بذكراها ثم نطوى صفحاتها. إنه القدوة التى أمرنا الله تعالى بالإقتداء بها. قال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾.
ومن أجمل ما يمكن أن نفعله فى ذكرى مولده الشريف أن نأخذ من سيرته خُلُقاً نعيش به. وأن نأخذ من رحمته موقفاً نطبقه. وأن نأخذ من صبره قوةً نواجه بها أزماتنا. وأن نأخذ من أمانته درساً فى العمل. وأن نأخذ من تواضعه درساً فى التعامل مع الناس. وأن نأخذ من سيرته كلها طريقاً يقودنا إلى إنسان أفضل وقلب أكثر رحمةً ونفس أكثر إستقامةً.
إن مولد النبى صلى الله عليه وسلم لا ينبغى أن يكون يوماً نحتفل به ثم ننساه. بل ينبغى أن يكون تذكيراً متجدداً بالرسالة التى جاء بها. وبالأخلاق التى جسدها. وبالرحمة التى حملها. وبالقدوة التى تركها للأمة.
فإذا إنتهت أيام المولد وبقيت فينا الأمانة. وإذا إنتهت مظاهر الإحتفال وبقيت فينا الرحمة. وإذا هدأت الأصوات وبقى فينا الصدق. وإذا عادت الحياة إلى تفاصيلها اليومية وبقيت سيرة النبى صلى الله عليه وسلم حاضرةً فى قراراتنا ومعاملاتنا. عندها فقط نكون قد أخذنا من المولد معناه الأعمق.
فالإحتفال الحقيقى ليس يوماً ينتهى. وإنما خُلُقٌ يبقى. وليس مظاهرةً عابرةً للمحبة. وإنما إتباعٌ صادقٌ للقدوة. وليس ذكرى نضعها في صفحات التاريخ. وإنما سيرة نحاول أن نجعلها حاضرةً فى حياتنا.
صلَّى الله وسلَّم وبارك على سيدنا محمد. وعلى آله وصحبه أجمعين. وجعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ومن الذين يحبون نبيه صلى الله عليه وسلم محبةً تظهر فى أخلاقهم وأعمالهم وحياتهم.





